شكّلت مشاركة المملكة العربية السعودية في الاجتماعات السنوية للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس علامة فارقة في مسيرة حضورها الدولي، حيث تجاوزت المشاركة التقليدية لتصبح قوة دافعة ومؤثرة في صياغة الأجندة العالمية. لم تكتفِ المملكة بالحضور الدبلوماسي، بل رسّخت مكانتها كلاعب أساسي في معالجة القضايا الاقتصادية والتنموية والتقنية والبيئية، مستندة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي كعضو فاعل في مجموعة العشرين.
سياق تاريخي ودور محوري في الاقتصاد العالمي
تكتسب مشاركة السعودية في دافوس أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات الجوهرية التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فالمملكة، التي تقود أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، تعمل من خلال رؤية 2030 على تقديم نموذج تنموي يوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية. وتأتي هذه المشاركات في وقت يبحث فيه العالم عن حلول لأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد، حيث قدمت المملكة نفسها كصمام أمان لأسواق الطاقة العالمية، ليس فقط كمصدر للنفط، بل كقائد للتحول نحو الطاقة النظيفة وتقنيات الهيدروجين الأخضر.
تعزيز توازن قطاع الطاقة والمنارات الصناعية
حضر دور المملكة في استقرار الإقليم والأسواق العالمية بقوة في هذه المحافل، لا سيّما في قطاع الطاقة، وأسهمت في تعزيز التوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين. وقد تبنت المملكة نهج "الاقتصاد الدائري للكربون"، وهو إطار عمل شامل لإدارة الانبعاثات، مما يعكس التزامها بمواجهة التغير المناخي بواقعية ومسؤولية.
وفي سياق التميز الصناعي، حققت المملكة إنجازات نوعية؛ ففي عام 2019، أُدرج معمل الغاز في العثمانية التابع لأرامكو السعودية ضمن قائمة "المنارات الصناعية" العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي، ليكون أول منشأة في قطاع النفط والغاز تنضم لهذا التصنيف المرموق الذي يعتمد على تبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة. وتلا ذلك انضمام منشأة خريص ومصفاة ينبع، مما يؤكد ريادة المملكة في توظيف الذكاء الاصطناعي والرقمنة في القطاع الصناعي.
مبادرات بيئية وتقنية رائدة
لم يقتصر الحضور السعودي على الطاقة التقليدية، بل امتد ليشمل الاستدامة البيئية. ففي عام 2020، أطلقت "سابك" مبادرة "تروسيركل™" لإعادة تدوير البلاستيك، تماشياً مع مفاهيم الاقتصاد الدائري. كما عززت المملكة شراكتها مع المنتدى عبر إنشاء "مركز الثورة الصناعية الرابعة" في الرياض، الذي تحول إلى منصة وطنية لصياغة السياسات المستقبلية وتدريب الكفاءات السعودية، مما يدعم جاهزية المملكة لعصر الابتكار.
استضافة الرياض للحوار العالمي
تتويجاً لهذه الجهود، تجلّى الثقل السعودي عالمياً في عام 2024 باستضافة الرياض للاجتماع الخاص للمنتدى الاقتصادي العالمي، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. جمع هذا الحدث أكثر من ألف شخصية قيادية عالمية لمناقشة "التعاون الدولي والنمو والطاقة من أجل التنمية". ومثّل الاجتماع منصة فريدة لإعادة رسم مسارات التنمية، حيث تم توقيع اتفاقيات نوعية ركزت على الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والعمل الإنساني، مما يعكس تحول الرياض إلى عاصمة عالمية للقرار الاقتصادي.
نظرة مستقبلية: قيادة مستدامة
واستمراراً لهذا النهج القيادي، أعلنت المملكة عن استضافتها لاجتماع عالمي دوري رفيع المستوى للمنتدى في النصف الأول من عام 2026، بالإضافة إلى إطلاق مبادرات نوعية مثل "مركز الاقتصاديات السيبرانية" في الرياض. إن هذا الحضور المتنامي والمستمر يؤكد أن المملكة العربية السعودية لا تشارك فقط في الحوار العالمي، بل تساهم بفعالية في كتابة فصوله، موجهة بوصلة التعاون الدولي نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للجميع.


