كشفت وزارة المالية السعودية عن تقديراتها لميزانية المملكة لعام 2025، والتي تظهر استمرار الالتزام بالإنفاق الاستراتيجي لدفع عجلة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية 2030. ووفقًا للبيان التمهيدي، من المتوقع أن يصل إجمالي المصروفات إلى 1.388 تريليون ريال، مسجلاً زيادة طفيفة بنسبة 1% مقارنة بتقديرات عام 2024 البالغة 1.374 تريليون ريال. يعكس هذا الرقم توجه الحكومة نحو تحقيق الاستدامة المالية مع مواصلة الاستثمار في القطاعات الحيوية التي تخدم المواطن وتدعم تنويع القاعدة الاقتصادية.
سياق الميزانية في إطار رؤية 2030
تأتي هذه الميزانية في مرحلة حاسمة من مسيرة التحول الوطني التي انطلقت مع إعلان رؤية السعودية 2030. تهدف الرؤية بشكل أساسي إلى تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وبناء اقتصاد مزدهر ومتنوع. وعلى مدى السنوات الماضية، ركزت الميزانيات السعودية على تمويل المشاريع الكبرى (Giga-Projects) مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، والقدية، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية وتعزيز القطاعات غير النفطية كالسياحة، والترفيه، والتكنولوجيا، والصناعة. وتعتبر ميزانية 2025 استمرارًا لهذا النهج، حيث تسعى لتحقيق توازن دقيق بين الإنفاق على المشاريع طويلة الأجل وتلبية الاحتياجات الآنية للمواطنين والخدمات العامة.
تحليل بنود الإنفاق الرئيسية
يُظهر تفصيل المصروفات الأولويات الحكومية للعام القادم، حيث تستحوذ تعويضات العاملين في القطاع الحكومي على الحصة الأكبر، مما يؤكد الاهتمام بالاستقرار الوظيفي وتحسين مستوى المعيشة.
تعويضات العاملين والمنافع الاجتماعية
يحتل بند “تعويضات العاملين”، الذي يشمل الرواتب والبدلات والمكافآت، الصدارة بإجمالي 574.53 مليار ريال، بزيادة قدرها 2% عن العام السابق. وفي المقابل، شهد بند “المنافع الاجتماعية”، الذي يغطي برامج الدعم المباشر للأسر مثل التقاعد والضمان الاجتماعي، تراجعًا طفيفًا بنسبة 2% ليصل إلى 99.32 مليار ريال، وهو ما قد يعكس مراجعات لآليات الدعم لضمان وصوله إلى الفئات الأكثر استحقاقًا.
الإنفاق الرأسمالي ونفقات التمويل
سجل الإنفاق على “الأصول غير المالية” (الإنفاق الرأسمالي) انخفاضًا بنسبة 12% ليصل إلى 168.51 مليار ريال. قد يشير هذا التراجع إلى اكتمال مراحل رئيسية في بعض مشاريع البنية التحتية أو إلى إعادة جدولة لبعض المشاريع لترشيد الإنفاق. وعلى النقيض، شهدت “نفقات التمويل”، التي تمثل الفوائد المدفوعة على الدين العام، قفزة ملحوظة بنسبة 22% لتصل إلى 54.47 مليار ريال، وهو ما يتماشى مع زيادة حجم الاقتراض الحكومي لتمويل العجز المتوقع ودعم المشاريع الاستراتيجية.
الأهمية والتأثير المتوقع للميزانية
تكتسب ميزانية 2025 أهمية كبرى على الصعيدين المحلي والدولي. محليًا، يُتوقع أن تساهم في الحفاظ على زخم النمو في القطاع غير النفطي، وخلق المزيد من فرص العمل للمواطنين، وتحسين جودة الخدمات العامة في مجالات الصحة والتعليم. كما أن استمرار الإنفاق الحكومي يمثل محركًا رئيسيًا للقطاع الخاص الذي يعتمد على العقود والمشاريع الحكومية.
إقليميًا ودوليًا، ترسل الميزانية رسالة ثقة للمستثمرين والأسواق العالمية بقدرة الاقتصاد السعودي على مواصلة النمو والتكيف مع المتغيرات العالمية. ومع تزايد دور المملكة كقوة اقتصادية مؤثرة ضمن مجموعة العشرين، فإن خططها المالية والإنفاقية تخضع لمراقبة دقيقة، حيث يؤثر استقرارها الاقتصادي بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية والاستقرار المالي في المنطقة.


