كشفت دراسة حديثة أجرتها مجموعة بوسطن كونسلتينغ جروب (BCG) أن المملكة العربية السعودية قد حققت تقدماً لافتاً في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تم تصنيف 40% من مؤسساتها ضمن فئة “رواد الذكاء الاصطناعي” على المستوى العالمي. وتؤكد هذه النتيجة المكانة المتنامية للمملكة كقوة مؤثرة في المشهد التكنولوجي العالمي، مدفوعة باستثمارات ضخمة ورؤية استراتيجية طموحة.
تفاصيل الدراسة ومؤشرات النضج
الدراسة التي حملت عنوان “إطلاق العنان للإمكانات: كيف يمكن لمؤسسات دول مجلس التعاون الخليجي تحويل زخم الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مستدامة على نطاق واسع”، استندت إلى استطلاع آراء 200 من كبار القادة التنفيذيين وتقييم 41 قدرة رقمية متعلقة بالذكاء الاصطناعي عبر سبعة قطاعات رئيسية. وأظهرت النتائج أن 35% من المؤسسات في المملكة وصلت إلى مرحلة “التوسّع” في نضج تبني الذكاء الاصطناعي، وهي مرحلة متقدمة تعكس الانتقال من التجارب الأولية إلى التطبيق الفعلي والواسع النطاق للتقنية. وبمتوسط درجة نضج بلغ 43 نقطة، تبرهن هذه الأرقام على التطور الملموس الذي تم إحرازه، مع وجود فرصة نمو إضافية لدى 27% من المؤسسات التي لا تزال في مراحل متأخرة نسبياً.
السياق الاستراتيجي: رؤية 2030 والتحول الوطني
هذا التقدم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج مباشر للتوجه الاستراتيجي الذي تتبناه المملكة ضمن إطار “رؤية السعودية 2030”. تهدف الرؤية إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. وفي هذا السياق، تمثل التقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ركيزة أساسية لتحقيق هذه الأهداف. وقد قامت الحكومة بإنشاء هيئات متخصصة لدعم هذا التوجه، أبرزها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) التي أُنشئت في عام 2019 لتكون المرجع الوطني في كل ما يتعلق بالبيانات والذكاء الاصطناعي، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي (NSDAI) التي تهدف إلى جعل المملكة نموذجاً عالمياً رائداً في هذا المجال بحلول عام 2030.
الأهمية والتأثير المتوقع على مختلف الأصعدة
محلياً: يُتوقع أن يكون لتبني الذكاء الاصطناعي تأثير تحولي على الاقتصاد والمجتمع السعودي. فمن خلال أتمتة العمليات وتحليل البيانات الضخمة، ستتمكن القطاعات الحيوية مثل الطاقة، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والخدمات اللوجستية من تعزيز كفاءتها الإنتاجية وتقديم خدمات مبتكرة. كما سيساهم هذا التحول في خلق وظائف جديدة عالية المهارة تتطلب خبرات في علم البيانات وهندسة الذكاء الاصطناعي، مما يدعم تطوير الكوادر الوطنية.
إقليمياً ودولياً: إن ريادة المملكة في هذا المجال تعزز من مكانتها كمركز تكنولوجي إقليمي جاذب للاستثمارات والمواهب من جميع أنحاء العالم. وعلى الصعيد الدولي، فإن دخول السعودية بقوة إلى ساحة الذكاء الاصطناعي يمنحها صوتاً مؤثراً في تشكيل مستقبل هذه التقنية، بما في ذلك المعايير الأخلاقية وأطر الحوكمة العالمية. هذا التحول يرسخ صورة المملكة كشريك فاعل في الاقتصاد الرقمي العالمي.
قوة التحول التكنولوجي السعودي
وفي تعليقه على نتائج الدراسة، قال رامي مرتضى، الشريك والمدير في مجموعة بوسطن كونسلتينغ جروب: “إن التقدم الذي حققته المملكة العربية السعودية في تبنّي الذكاء الاصطناعي يعكس قوة التزامها بالتحول التكنولوجي على نطاق غير مسبوق”. وأضاف: “تتمتع المؤسسات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي داخل السعودية بموقع فريد للاستفادة من الاستثمارات الكبرى في تشييد بنية تحتية تُنافس عالمياً، بما يُتيح تحقيق أثر ملموس على مستوى قطاعات مُتعددة في الوقت نفسه. وتتمثل الخطوة الأهم خلال المرحلة المقبلة في تبنّي أساليب منهجية لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة فعلية مُضافة، من خلال استراتيجيات شاملة تعالج التحديات المحلية مع الحفاظ على مركز عالمي فريد.”


