في خطوة استراتيجية تعزز من متانة البنية التشريعية للقطاع الصناعي، وافقت وزارة الصناعة والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية على اللائحة التنفيذية لنظام التنظيم الصناعي الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي. ويأتي هذا القرار ليرسخ بيئة استثمارية تتسم بالشفافية والاستقرار، ويدفع عجلة التكامل الاقتصادي بين دول المجلس نحو آفاق أرحب.
سياق استراتيجي: نحو تكامل صناعي خليجي
لا يعد هذا الإقرار مجرد إجراء إداري روتيني، بل يمثل ركيزة أساسية في مسار التعاون الاقتصادي الخليجي المشترك. فمنذ عقود، تسعى دول مجلس التعاون لتوحيد السياسات الصناعية لخلق سوق مشتركة قوية قادرة على المنافسة عالمياً. وتأتي هذه اللائحة لتضع الإطار القانوني الموحد الذي يسهل حركة رؤوس الأموال الصناعية، ويزيل العوائق البيروقراطية التي قد تواجه المستثمرين عند التوسع إقليمياً، مما يتماشى بوضوح مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تحويل القطاع الصناعي إلى رافد رئيسي للاقتصاد الوطني بعيداً عن تقلبات أسواق النفط.
نطاق التطبيق والاستثناءات
حددت اللائحة التنفيذية بدقة المجالات التي تخضع لأحكام النظام، مع مراعاة الطبيعة الخاصة لبعض القطاعات الحيوية. فقد نصت اللائحة بوضوح على استثناء المشروعات العاملة في مجال التنقيب عن النفط واستخراجه، بالإضافة إلى مشاريع استخراج الخامات المعدنية التي لا تجري أي تغيير صناعي على المحتوى أو الشكل. ويعود هذا الاستثناء إلى خضوع هذه القطاعات لأنظمة سيادية وتشريعات خاصة نظراً لأهميتها الاستراتيجية وحساسيتها الاقتصادية.
رحلة المستثمر: من الموافقة المبدئية إلى الترخيص
نظمت اللائحة رحلة المستثمر الصناعي بوضوح لضمان سهولة ممارسة الأعمال، حيث تم تقسيم الإجراءات إلى مراحل محددة زمنياً:
- الموافقة المبدئية: ألزمت اللائحة المستثمر بالحصول على موافقة مبدئية تتطلب تقديم بيانات دقيقة تشمل الاسم التجاري، الشكل القانوني، طبيعة النشاط، الطاقة الإنتاجية، ورأس المال المستثمر.
- المدد الزمنية: وضعت اللائحة حداً للبيروقراطية، حيث ألزمت الجهة المختصة بالبت في الطلبات خلال 30 يوماً من اكتمالها، مع ضرورة تسبيب قرار الرفض لضمان حق المستثمر في المعرفة والاعتراض.
- التحول الرقمي: دعماً للتوجه الحكومي نحو الأتمتة، أتاحت اللائحة تقديم الطلبات عبر النماذج والأنظمة الإلكترونية المعتمدة، مما يسرع الإجراءات ويقلل التكاليف التشغيلية على المستثمرين.
السجل الصناعي: هوية المشروع وضمان الحقوق
أفردت اللائحة فصلاً خاصاً لأحكام السجل الصناعي، الذي يعد بمثابة بطاقة الهوية للمشروع. وأوجبت على أصحاب المصانع قيد مشاريعهم في السجل خلال 60 يوماً من بدء الإنتاج الفعلي. وتكمن أهمية هذا السجل في توفير قاعدة بيانات دقيقة تشمل حجم القوى العاملة، تكاليف الإنتاج، والطاقة الفعلية والتصميمية، مما يساعد صناع القرار والمستثمرين على بناء خططهم بناءً على أرقام واقعية.
الشفافية والبيانات المفتوحة
تعزيزاً لمبدأ الشفافية، نصت اللائحة على التزام الجهات المختصة بإصدار نشرات سنوية (ورقية أو إلكترونية) تتضمن إحصاءات وبيانات عن المشروعات الصناعية. هذا التوجه يمنح المستثمرين المحليين والدوليين رؤية واضحة لحجم السوق والفرص المتاحة، ويقضي على ضبابية المعلومات التي كانت تعيق دراسات الجدوى في السابق.
الأثر الاقتصادي المتوقع
من المتوقع أن يسهم تطبيق هذه اللائحة في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القطاع الصناعي السعودي والخليجي، حيث يبحث المستثمرون دائماً عن البيئات التشريعية الواضحة والمستقرة. كما أن توحيد الأنظمة خليجياً سيفتح الباب أمام الصناعات الوطنية للنفاذ إلى أسواق الدول المجاورة بيسر وسهولة، مما يعزز من حجم التبادل التجاري البيني ويحقق الأمن الصناعي للمنطقة.


