في خطوة تثير الكثير من الجدل حول مستقبل الخصوصية الرقمية، تفرض السلطات الروسية تطبيق ماكس الروسي، وهو خدمة “المراسلة الوطنية” غير المشفّرة، على مواطنيها بشكل متزايد. سواء نال هذا التطبيق إعجاب المستخدمين أم لا، فإن الترويج المكثف له يتزامن مع تضييق الخناق على المنصات العالمية، بما في ذلك حجب السلطات لتطبيقات شهيرة مثل “واتساب” و”تليغرام”. وتأتي هذه الخطوات تحت شعار استقلال موسكو عن التأثيرات الخارجية، مما يضع ملايين المستخدمين أمام واقع رقمي جديد.
جذور العزلة الرقمية ومساعي الإنترنت السيادي
لفهم الدوافع وراء إطلاق هذا التطبيق، يجب النظر إلى السياق التاريخي الأوسع لسياسات الإنترنت في روسيا. منذ عام 2019، أقرت موسكو قانون “الإنترنت السيادي” الذي يهدف إلى عزل شبكة الإنترنت الروسية (رونيت) عن الشبكة العالمية في حالات الطوارئ. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في عام 2022، كثفت الحكومة من إجراءاتها بحجب منصات التواصل الاجتماعي الغربية. في هذا السياق، يبرز التطبيق كجزء من استراتيجية طويلة الأمد لإنشاء بيئة رقمية مغلقة، حيث صُمم التطبيق الذي أطلقته شركة التواصل الاجتماعي الروسية العملاقة (VK) ليكون بمثابة أداة رقمية متعددة الاستخدامات بحلول عام 2025. ورغم أنه ليس إلزامياً من الناحية القانونية، إلا أن البدائل شبه معدومة، مما يجعله خياراً إجبارياً بحكم الأمر الواقع.
الخصوصية في مهب الريح: من يملك بيانات المستخدمين؟
تثير طبيعة التطبيق غير المشفّرة مخاوف أمنية بالغة. يؤكد الباحث بابتيست روبير، المدير العام لشركة الأمن السيبراني الفرنسية “بريديكتا لاب”، أن غياب التشفير من طرف إلى طرف يعني أن “أي بيانات تمر عبر هذا التطبيق، يمكنك اعتبارها في أيدي مالكه، وبالتالي فهي في أيدي الدولة الروسية”. هذا التصريح يسلط الضوء على التحول الجذري في مفهوم الخصوصية، حيث يبرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اللجوء إلى هذا التطبيق المحلي بأنه يلبي الحاجة الملحة إلى “الأمن” و”السيادة التكنولوجية” للبلاد، بعيداً عن هيمنة الشركات التكنولوجية الأجنبية.
تأثير تطبيق ماكس الروسي على المشهد الرقمي المحلي والدولي
لا يقتصر تأثير هذه الخطوة على الداخل الروسي فحسب، بل يمتد ليشكل سابقة في كيفية تحكم الدول في تدفق المعلومات. محلياً، يقدم تطبيق ماكس الروسي، المثبت مسبقاً على الهواتف النقالة والأجهزة اللوحية المباعة في روسيا منذ سبتمبر، تصميماً مألوفاً يشبه تطبيق “تليغرام”، مع غرف دردشة وقنوات وملصقات جذابة لجذب أكثر من مئة مليون مستخدم. والأهم من ذلك، أنه لا يتأثر بانقطاعات الخدمة خلال عمليات تعليق بيانات الهاتف المحمول المتزايدة من قِبل السلطات الروسية.
في المقابل، يجد المستخدمون أنفسهم مضطرين للجوء إلى برامج كسر الحجب (VPN) للوصول إلى التطبيقات المحظورة، وهي برامج تحاربها السلطات باستمرار وتحظر الإعلان عنها. دولياً وإقليمياً، تتفق الأستاذة المشاركة في حوكمة شبكة الإنترنت بجامعة ماستريخت، مارييل ويجيرمارس، على أن هذا التوجه يمثل تتويجاً لسياسات تهدف إلى إنشاء “إنترنت ذي سيادة”. وتعتقد أن روسيا تسعى إلى إعادة هيكلة الإنترنت المحلي لتحسين السيطرة على ما يُنشر ويُشارك، لا سيما من خلال نقل جميع الروس إلى منصات تخضع لسيطرة الدولة بشكل أكبر.
وقد توسع نطاق التطبيق ليتجاوز حاملي شرائح الاتصال الروسية أو البيلاروسية؛ إذ أصبح متوفراً باللغة الإنجليزية ولدى شركات الاتصالات في 40 دولة، بما في ذلك جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة وكوبا وباكستان. ومع ذلك، يظل محظوراً أو غير متوفر في أوكرانيا ودول الاتحاد الأوروبي، مما يعكس الانقسام الرقمي العميق الذي يشهده العالم اليوم.


