شهدت الساحة الأوكرانية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، حيث شنت موسكو أوسع هجوم روسي بالمسيرات في وضح النهار، مستهدفة عدة مناطق حيوية. ووفقاً للتقارير، أطلقت القوات الروسية أكثر من 400 طائرة مسيرة خلال فترة زمنية لم تتجاوز 7 ساعات، مما يمثل تحولاً استراتيجياً في مسار العمليات العسكرية التي اعتادت على تكثيف الضربات ليلاً. ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه كييف لتعزيز قدراتها الدفاعية بدعم من حلفائها الغربيين لمواجهة هذه التهديدات الجوية المتزايدة.
وصرح المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية، يوري إغنات، لوكالة فرانس برس، بأن هذا الهجوم جاء عقب ليلة شهدت غارات جوية مكثفة. وأكد إغنات أن إطلاق أكثر من 400 طائرة مسيرة بين الساعة التاسعة صباحاً والرابعة بعد الظهر بالتوقيت المحلي يُعد أمراً غير مسبوق عملياً منذ بداية الحرب، مشيراً إلى أن البلاد لم تشهد غارات نهارية بهذا العدد الضخم من الطائرات المسيّرة.
تطور تكتيكات المعارك وتأثير أي هجوم روسي بالمسيرات
منذ اندلاع النزاع الروسي الأوكراني في أواخر فبراير 2022، شهدت التكتيكات العسكرية تطوراً ملحوظاً، حيث أصبحت الطائرات المسيرة (الدرونز) عنصراً حاسماً في ساحة المعركة. في البداية، اعتمدت القوات الروسية بشكل كبير على الضربات الصاروخية التقليدية والمدفعية الثقيلة. ومع مرور الوقت واستنزاف الذخائر، برز الاعتماد على المسيرات الانتحارية، وخاصة طائرات “شاهد”، نظراً لتكلفتها المنخفضة وقدرتها على استنزاف أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية. هذا التحول نحو أي هجوم روسي بالمسيرات يعكس استراتيجية حرب استنزاف تهدف إلى شل البنية التحتية الحيوية وإبقاء حالة التأهب القصوى مستمرة لدى الجانب الأوكراني.
وقد طال هذا التصعيد مدناً رئيسية في جميع أنحاء البلاد. وأدان وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا، عبر منصة “إكس”، هذا الهجوم الواسع، موضحاً أن أسراباً من طائرات “شاهد” المسيرة روعت مدناً مثل لفيف، تيرنوبيل، فينيتسا، إيفانو فرانكيفسك، جيتومير، زابوريجيا، ودنيبرو. وفي مدينة لفيف الواقعة غرب أوكرانيا، بالقرب من الحدود مع بولندا (العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي)، استهدفت المسيرات مركز المدينة التاريخي المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو. وأفاد رئيس بلدية لفيف، أندري سادوفي، بإصابة 13 شخصاً على الأقل، بينما أكد رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية، ماكسيم كوزيتسكي، تضرر مجمع تاريخي يعود للقرن السابع عشر في وسط المدينة.
التداعيات الإقليمية والدولية للتصعيد الأخير
يحمل هذا التصعيد العسكري دلالات وتأثيرات واسعة النطاق تتجاوز الحدود المحلية لأوكرانيا. على الصعيد المحلي، يؤدي استهداف البنية التحتية والمواقع التاريخية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة الضغط على الموارد الطبية والخدمية، فضلاً عن التأثير النفسي العميق على المدنيين بسبب استمرار الغارات النهارية. أما إقليمياً، فإن اقتراب الضربات من حدود دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مثل بولندا، يرفع من مستوى التوتر الأمني ويزيد من احتمالات وقوع حوادث عرضية قد تجر أطرافاً أخرى إلى النزاع المباشر.
دولياً، يسلط هذا الهجوم الضوء على الحاجة الملحة لتعزيز أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية، مما يضع ضغوطاً إضافية على الحلفاء الغربيين لتسريع وتيرة تسليم المساعدات العسكرية والتقنية. كما أن استخدام هذا العدد الهائل من المسيرات يثير تساؤلات المجتمع الدولي حول سلاسل التوريد العسكرية التي تعتمد عليها موسكو، مما قد يدفع نحو فرض حزم عقوبات اقتصادية ودبلوماسية جديدة. وفي الوقت ذاته، تستمر الجهود الدبلوماسية لمحاولة إيجاد مخرج للأزمة، رغم أن التصعيد الميداني يقلص من فرص العودة إلى طاولة المفاوضات في المدى المنظور، مما ينذر بإطالة أمد الصراع وتعميق تداعياته على الأمن العالمي.


