تساؤلات حول مستقبل الحرب في أوكرانيا
مع استمرار الصراع الروسي الأوكراني، تتزايد التكهنات والآمال حول إمكانية التوصل إلى حل سلمي ينهي واحدة من أكبر الأزمات العسكرية في أوروبا منذ عقود. وفي ظل التصريحات المتباينة والجهود الدبلوماسية المكثفة التي تقودها أطراف دولية، يبرز تساؤل محوري: هل يمكن أن تنتهي الحرب قريبًا؟ على الرغم من الحديث عن مبادرات سلام ومفاوضات محتملة، فإن الطريق نحو السلام لا يزال محفوفًا بتحديات جوهرية وعقبات سياسية وعسكرية معقدة.
خلفية تاريخية وجذور الصراع
لم تبدأ الأزمة في فبراير 2022، بل تعود جذورها إلى عام 2014 عندما قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم وبدأ الصراع في إقليم دونباس شرق أوكرانيا بين القوات الأوكرانية والانفصاليين المدعومين من موسكو. تطورت هذه التوترات إلى غزو روسي شامل في 24 فبراير 2022، بهدف معلن من موسكو هو “نزع سلاح أوكرانيا واجتثاث النازية منها”، وهو ما رفضته كييف والمجتمع الدولي باعتباره ذريعة لشن حرب عدوانية. منذ ذلك الحين، مرت الحرب بمراحل متعددة، من الهجوم الأولي على العاصمة كييف، إلى تركيز القتال في الشرق والجنوب، مرورًا بهجمات أوكرانية مضادة ناجحة، وصولًا إلى حرب استنزاف طويلة الأمد على طول جبهة تمتد لمئات الكيلومترات.
أهمية الصراع وتأثيره العالمي
تتجاوز تداعيات الحرب الأوكرانية حدود البلدين لتلقي بظلالها على العالم بأسره. فعلى الصعيد المحلي، تسببت الحرب في دمار هائل للبنية التحتية الأوكرانية، وأدت إلى مقتل وإصابة عشرات الآلاف، ونزوح الملايين من السكان داخليًا وخارجيًا كلاجئين. أما إقليميًا، فقد أحدث الصراع تغييرًا جذريًا في المشهد الأمني الأوروبي، حيث دفع دولًا محايدة تاريخيًا مثل فنلندا والسويد إلى الانضمام لحلف الناتو، وعزز من وجود الحلف العسكري في أوروبا الشرقية. دوليًا، أدت الحرب إلى أزمة طاقة عالمية، واضطرابات في سلاسل إمداد الغذاء، خاصة الحبوب، بالإضافة إلى فرض حزم عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على روسيا من قبل الدول الغربية، مما أدى إلى إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية العالمية.
العقبات الرئيسية أمام مفاوضات السلام
تتعثر جهود السلام عند نقاط خلافية جوهرية يصعب التوفيق بينها. فمن جهة، تصر أوكرانيا على ضرورة انسحاب القوات الروسية من جميع أراضيها المعترف بها دوليًا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم والمناطق التي احتلتها منذ 2022، كشرط أساسي لأي اتفاق. كما تطالب كييف بضمانات أمنية دولية ملزمة لمنع أي عدوان مستقبلي. في المقابل، ترفض روسيا التنازل عن الأراضي التي أعلنت ضمها (دونيتسك، لوهانسك، خيرسون، وزابوريجيا)، وتطالب باعتراف أوكرانيا بـ “الواقع الإقليمي الجديد”، وهو ما تعتبره كييف استسلامًا وانتهاكًا لسيادتها. قضية أخرى شائكة هي السيطرة على محطة زابوريجيا للطاقة النووية، الأكبر في أوروبا، والتي تقع تحت الاحتلال الروسي وتشكل مصدر قلق عالمي.
الدور الدولي ومستقبل المفاوضات
يلعب المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، دورًا حاسمًا في دعم أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا، وفي محاولة إيجاد مسار دبلوماسي. وتُعقد مؤتمرات دولية تهدف إلى بناء إجماع عالمي حول مبادئ السلام القائم على ميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول. ومع ذلك، يبقى أي تقدم حقيقي مرهونًا بتغير المواقف على الأرض وفي العاصمتين، موسكو وكييف. وفي حين أن الآمال بإنهاء الحرب في وقت قريب قد تكون متفائلة، فإن استمرار الجهود الدبلوماسية يظل الخيار الوحيد لتجنب المزيد من الخسائر ورسم مستقبل أكثر استقرارًا للمنطقة والعالم.


