في ظل استمرار الصراع الذي دخل عامه الثالث، تتجه الأنظار مجدداً إلى المسار الدبلوماسي، حيث أعلن الكرملين عن قرب انعقاد جولة ثالثة من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا. يأتي هذا الإعلان كبارقة أمل في خضم تصعيد عسكري خلف دماراً هائلاً وأزمة إنسانية غير مسبوقة في أوروبا منذ عقود، مما يضع على عاتق المفاوضين مسؤولية تاريخية لإيجاد مخرج سلمي للحرب.
خلفية الصراع وجولات التفاوض السابقة
لم تبدأ الأزمة في فبراير 2022، بل تعود جذورها إلى عام 2014 عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم وبدأ الصراع في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا. لكن الغزو الروسي الشامل في 24 فبراير 2022 شكل نقطة تحول، حيث تحول الصراع المحدود إلى حرب واسعة النطاق. منذ بداية الغزو، عُقدت عدة جولات من المفاوضات، بدأت في بيلاروسيا ثم انتقلت إلى تركيا، لكنها لم تحقق اختراقاً حقيقياً. ورغم أن الجولات السابقة أسفرت عن اتفاقات محدودة، مثل إنشاء ممرات إنسانية مؤقتة لإجلاء المدنيين، إلا أن تنفيذها كان غالباً ما يتعثر بسبب انعدام الثقة والانتهاكات المتبادلة لوقف إطلاق النار.
أهمية المحادثات وتأثيرها المتوقع
تحمل الجولة الثالثة المرتقبة أهمية كبرى على كافة الأصعدة. فعلى الصعيد المحلي، يعيش ملايين الأوكرانيين تحت وطأة القصف والنزوح، وتتعرض البنية التحتية للبلاد لدمار منهجي. أي تقدم في المفاوضات قد يعني وقفاً لإطلاق النار، مما يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية وإنقاذ الأرواح. أما بالنسبة لروسيا، فإن الحرب المستمرة تستنزف مواردها الاقتصادية والعسكرية وتزيد من عزلتها الدولية بسبب العقوبات الغربية الشديدة.
إقليمياً، تسببت الحرب في أكبر أزمة لاجئين في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث استقبلت دول الجوار، مثل بولندا ورومانيا، ملايين الفارين من أوكرانيا. كما أدت إلى تغييرات جيوسياسية عميقة، أبرزها تعزيز وحدة حلف الناتو وتوسعه بانضمام فنلندا والسويد. أما دولياً، فقد أثرت الحرب بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، متسببة في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، ومهددة الأمن الغذائي العالمي نظراً لمكانة روسيا وأوكرانيا كمصدرين رئيسيين للحبوب والأسمدة. إن نجاح هذه المفاوضات لن ينهي مأساة إنسانية فحسب، بل سيساهم أيضاً في استقرار الأسواق العالمية وتخفيف حدة التوترات الجيوسياسية.
العقبات الرئيسية أمام السلام
رغم الآمال المعقودة، لا تزال الطريق نحو السلام محفوفة بالتحديات. تتمثل أبرز نقاط الخلاف في القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة ووحدة الأراضي. تصر أوكرانيا على انسحاب القوات الروسية من جميع أراضيها المعترف بها دولياً، بما في ذلك القرم ودونباس، وتطالب بضمانات أمنية دولية. في المقابل، تطالب روسيا باعتراف أوكرانيا بالواقع الجديد على الأرض، أي ضمها للأقاليم الأربعة (دونيتسك، لوهانسك، زابوريجيا، خيرسون)، بالإضافة إلى ضمان حياد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى حلف الناتو. ويبقى التغلب على هذه المواقف المتباعدة هو الاختبار الحقيقي لجدية الطرفين في التوصل إلى حل دائم.


