في خطوة تزيد من التوترات الدولية، أعلنت روسيا رسمياً أنها لم تعد تعتبر نفسها ملزمة بالقيود المنصوص عليها في معاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية، وهي آخر اتفاقية كبرى قائمة للحد من التسلح بينها وبين الولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان صريح: “نفترض أن أطراف معاهدة نيو ستارت لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو إعلانات متبادلة في إطار المعاهدة”، مما يمثل نهاية فعلية لعقود من التعاون النسبي في مجال الرقابة على الأسلحة.
السياق التاريخي لمعاهدة نيو ستارت
تُعد معاهدة “نيو ستارت”، التي وقعها الرئيسان الأمريكي باراك أوباما والروسي ديمتري ميدفيديف في براغ عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ في 2011، حجر الزاوية في جهود الحد من التسلح النووي لعقد من الزمان. هدفت المعاهدة إلى وضع سقف لعدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يمكن لكل دولة نشرها عند 1550 رأساً، بالإضافة إلى تحديد عدد قاذفات الصواريخ البرية والبحرية والقاذفات الثقيلة عند 700. جاءت هذه المعاهدة استكمالاً لإرث طويل من المفاوضات التي بدأت خلال الحرب الباردة، مثل معاهدات “سالت” و”ستارت 1″، والتي سعت إلى إرساء قدر من الاستقرار ومنع سباق تسلح نووي كارثي بين القوتين العظميين.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
يثير انهيار معاهدة “نيو ستارت” قلقاً عميقاً على الصعيدين الإقليمي والدولي. فبغياب أي قيود ملزمة وآليات تحقق شفافة، يُفتح الباب على مصراعيه أمام سباق تسلح جديد وغير منضبط بين أكبر قوتين نوويتين في العالم، اللتين تمتلكان معاً حوالي 90% من إجمالي الأسلحة النووية العالمية. هذا الغموض يزيد من خطر سوء التقدير والنزاع العرضي، ويقوض بنية الأمن العالمي التي استغرق بناؤها عقوداً. لم يكن هذا الإعلان مفاجئاً بالكامل، فقد سبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أعلن في فبراير 2023 عن “تعليق” مشاركة بلاده في المعاهدة، متهماً واشنطن بدعمها لأوكرانيا وتقويض الأمن الروسي. من جانبها، اتهمت الولايات المتحدة روسيا مراراً بعدم الامتثال لالتزاماتها، خاصة فيما يتعلق بعمليات التفتيش المتبادلة.
مستقبل غامض للأمن الدولي
ينظر الخبراء إلى المستقبل بقلق، حيث تدخل العلاقات بين موسكو وواشنطن حقبة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي. إن نهاية “نيو ستارت” لا تمثل فقط نهاية معاهدة، بل قد تكون بداية لفصل جديد ومقلق في تاريخ التسلح النووي العالمي، خاصة مع صعود قوى نووية أخرى مثل الصين التي لا تشارك في أي معاهدات مماثلة، مما يجعل المشهد الأمني العالمي أكثر تعقيداً وخطورة.


