يواصل مهرجان الرياض للمسرح في دورته الثالثة، الذي تنظمه هيئة المسرح والفنون الأدائية، زخمه الإبداعي في يومه الثاني، مقدماً برنامجاً فنياً وثقافياً ثرياً يعكس التطور المتسارع في المشهد المسرحي السعودي. وتستمر فعاليات المهرجان، التي يحتضنها مركز المؤتمرات بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن حتى 22 ديسمبر الجاري، في استقطاب الجمهور من خلال عروض مسرحية نوعية وورش عمل متخصصة، ضمن بيئة فنية تفاعلية.
خلفية ثقافية ورؤية طموحة
يأتي هذا المهرجان كأحد أبرز مخرجات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، المنبثقة من رؤية السعودية 2030، والتي تهدف إلى جعل الثقافة نمط حياة للمجتمع. وتعمل هيئة المسرح والفنون الأدائية، منذ تأسيسها، على بناء بنية تحتية قوية للقطاع المسرحي، من خلال دعم المواهب، وتطوير الإنتاج المحلي، وتوفير منصات احترافية لعرض الأعمال المسرحية. ويمثل مهرجان الرياض للمسرح تتويجاً لهذه الجهود، حيث يوفر فرصة للفرق المسرحية السعودية للتنافس وتقديم أفضل ما لديها، مما يساهم في رفع مستوى الجودة الفنية وتعزيز الحراك المسرحي في المملكة.
ورش عمل متخصصة وعروض إبداعية
شهد اليوم الثاني من المهرجان استكمال البرامج التدريبية، حيث أقيمت ورشة عمل متخصصة حول “الفضاء المسرحي والسينوغرافيا” قدمها الأستاذ محمد جميل. ركزت الورشة على العلاقة العضوية بين التكوين البصري للمسرح والبنية الدرامية للنص، وكيف يمكن للسينوغرافيا أن تتحول من مجرد خلفية ديكورية إلى عنصر فاعل في السرد، يسهم في بناء المعنى وتعميق تجربة المتلقي. وقد لاقت الورشة تفاعلاً كبيراً من المشاركين الذين أثروا النقاش بأمثلة تطبيقية وتجارب عملية.
وضمن العروض المسرحية الرسمية، قدمت فرقة “نوته” مسرحية “يوتوبيا”، من تأليف وإخراج الدكتور نعمان كدوه. تدور أحداث المسرحية في مصحة نفسية، وتطرح تساؤلات فلسفية عميقة حول النفس البشرية وتناقضاتها، حيث تتداخل الخطوط الفاصلة بين السواء واللاسواء، ليشمل الاضطراب النفسي جميع الشخصيات، بما في ذلك الكادر الطبي. وقد أشاد الناقد عايض البقمي في الجلسة النقدية التي تلت العرض بالبناء الدرامي للعمل وقدرته على طرح أسئلة فكرية جريئة.
تأثير إنساني وأسئلة وجودية
كما شهد اليوم الثاني عرض مسرحية “التعطيل”، التي قدمت قصة إنسانية مؤثرة لرجل في الأربعينيات يواجه مرض السرطان. يستكشف العمل مفاهيم القدر، الحرية، ومعنى الحياة في مواجهة الموت، ويطرح أسئلة وجودية حول كيفية تعامل الإنسان مع مصيره المحتوم. وفي قراءته النقدية، سلط الناقد ناصر العمري الضوء على الأبعاد الإنسانية العميقة للنص والمعالجة الدرامية التي نجحت في تجسيد معاناة الشخصية الرئيسية بصدق فني.
أهمية المهرجان وتأثيره المستقبلي
لا يقتصر تأثير مهرجان الرياض للمسرح على أيامه المعدودة، بل يمتد ليشكل رافداً أساسياً لتطوير الصناعة المسرحية في السعودية. فعلى الصعيد المحلي، يساهم المهرجان في اكتشاف المواهب الشابة وتمكينها، وخلق جمهور مسرحي واعٍ وقادر على التفاعل النقدي مع العروض. أما على الصعيد الإقليمي، فيعزز المهرجان من مكانة الرياض كعاصمة للثقافة والفن في المنطقة، ويفتح آفاقاً للتعاون والتبادل الفني مع التجارب المسرحية العربية. ويُتوقع أن يسهم نجاح هذه الدورة في ترسيخ المهرجان كحدث سنوي ينتظره المسرحيون والجمهور على حد سواء، بما يخدم مستهدفات رؤية 2030 في بناء قطاع ثقافي مزدهر ومستدام.


