كشف برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة عن إنجازات نوعية ضمن مشاريع ريف السعودية، والتي تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في قطاع زراعة الورد والنباتات العطرية. تشمل هذه المشاريع الاستراتيجية إنشاء مدن زراعية متكاملة ومصانع استخلاص متطورة، وذلك بهدف تقديم الدعم المباشر لصغار المزارعين والمنتجين. وتسعى هذه المبادرات إلى تحقيق جدوى اقتصادية عالية تتواكب بشكل وثيق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع مصادر الدخل وتطوير القطاعات غير النفطية.
جذور زراعة الورد في المملكة وتوسعها نحو الجنوب
تاريخياً، ارتبطت زراعة الورد في المملكة العربية السعودية بمدينة الطائف التي اشتهرت على مر القرون بإنتاج أجود أنواع الورد الطائفي، والذي شكل جزءاً أصيلاً من التراث الثقافي والاقتصادي للمملكة. ومع التطور الزراعي الملحوظ والتوجه نحو الاستدامة، برزت الحاجة إلى استكشاف مناطق جديدة تتمتع ببيئات مناخية ملائمة لتوسيع هذه الصناعة. وهنا يأتي دور منطقة جازان، التي تتميز بتنوعها البيئي وتربتها الخصبة ومناخها الداعم لزراعة أنواع متعددة من النباتات العطرية. هذا التوسع الجغرافي لا يعكس فقط تطور الأساليب الزراعية، بل يمثل استراتيجية وطنية لاستغلال الموارد الطبيعية المتنوعة في مختلف مناطق المملكة لتحقيق تنمية ريفية متوازنة.
أبرز إنجازات مشاريع ريف السعودية في منطقة جازان
وفي هذا السياق، أوضح المتحدث الرسمي لبرنامج «ريف السعودية»، ماجد البريكان، أن الإنجازات الحالية تتضمن إنشاء مدن متكاملة ومشاتل متخصصة للورود والنباتات العطرية في محافظتي أحد المسارحة وأبو عريش بمنطقة جازان. وبيّن أن هذه المبادرات شملت تأسيس مصنع حديث للاستخلاص ومشاتل في «المتنزة الوطني» بأبو عريش. كما لفت إلى أنه تم إيقاف العمل مؤقتاً في «مركز الورد» بمحافظة الطائف، وذلك بهدف استكمال بعض الدراسات الفنية والتقنية الخاصة بالمشروع لضمان خروجه بأفضل المعايير.
وأشار البريكان إلى أن مشروع «مدن الورد» يرمي بشكل أساسي إلى تطوير زراعة النباتات العطرية في جازان، وإدخال أصناف نباتية جديدة تتلاءم مع طبيعة المنطقة. ويعتمد المشروع على مبدأ الاستدامة من خلال ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، عبر الاستغلال الأمثل للمياه المجددة ضمن منظومة الإنتاج الزراعي غير التقليدي. وتفرز مخرجات هذا المشروع مزرعة نموذجية مكشوفة وبيوتاً محمية تُدار بأحدث تقنيات التحكم المناخي، إلى جانب التركيز على تدريب الكوادر الوطنية الشابة من الجنسين على الأساليب الحديثة لإنتاج الورد، وتطوير طرق قطافه ونقله وتخزينه.
تقنيات استخلاص الزيوت العطرية وتعظيم الفائدة
وتطرق المتحدث الرسمي إلى تفاصيل مشروع مصنع استخلاص الورد، مؤكداً أنه يستهدف تعظيم الفائدة الاقتصادية من الورد ومخلفاته العضوية. ويتم ذلك عبر تنفيذ مبنى متكامل مخصص للتعبئة والاستخلاص يمتد على مساحة إجمالية لا تقل عن 2000 متر مربع. وسيعمل هذا المصنع كمركز إشعاع معرفي وتدريبي، حيث سيتم تدريب المزارعين والمهندسين الزراعيين على أحدث تقنيات استخلاص الزيوت العطرية، مع تقديم شروحات وافية حول جدواها الاقتصادية وكيفية تسويقها. كما تم تهيئة المباني الخدمية الملحقة لضمان أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية.
ولفت البريكان إلى أن مشروع «مركز الورد» يركز على إنتاج شتلات قوية وسليمة خالية من الأمراض، مما يسهم بشكل فعال في الحفاظ على الأصناف النباتية في بيئتها الطبيعية. ويهدف المركز إلى إنتاج زيوت عطرية عالية الجودة تنافس في الأسواق، مع تطبيق ممارسات زراعية جيدة تضمن زيادة الإنتاجية ورفع جودة المحاصيل.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لتطوير قطاع الورد
يحمل هذا الحراك الاستراتيجي أبعاداً اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية. فعلى الصعيد المحلي، تسهم هذه المشاريع في خلق فرص عمل جديدة للشباب والشابات في المناطق الريفية، مما يحد من الهجرة إلى المدن الكبرى ويرفع من مستوى المعيشة للأسر المنتجة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن تطوير صناعة استخلاص الزيوت العطرية يضع المملكة في موقع تنافسي قوي كمصدر موثوق للمنتجات العطرية الطبيعية، مما يقلل من الاعتماد على الواردات الخارجية. ويأتي هذا التوجه ضمن مساعي البرنامج المستمرة لتطوير القطاعات الزراعية المختلفة، ورفع جدواها الاقتصادية، بغية تحسين نمط الحياة وتعزيز الأمن الغذائي والزراعي في المملكة العربية السعودية.


