تستعد الجماهير الرياضية لحدث استثنائي، لكنه يحمل في طياته تحديات بيئية غير مسبوقة، حيث تشير التقارير إلى أن تلوث كأس العالم 2026 سيكون الأعلى في تاريخ المسابقة. تقام هذه النسخة بتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمكسيك، ومن المتوقع أن تشهد تدفق ما يقرب من 5.5 مليون مشجع إلى 16 مدينة مختلفة. هذا التوسع الهائل يضع الفيفا والدول المستضيفة أمام أزمة مناخية حقيقية تتطلب حلولاً جذرية لتجنب كارثة بيئية محققة.
تطور المونديال: من بطولة محدودة إلى أضخم حدث رياضي
منذ انطلاق النسخة الأولى لكأس العالم عام 1930 في أوروغواي بمشاركة 13 منتخباً فقط، شهدت البطولة تطوراً هائلاً على مر العقود. تحول المونديال من مجرد منافسة رياضية إلى ظاهرة عالمية تجذب مليارات المشاهدين. ومع قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بزيادة عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخباً في نسخة 2026، تضاعفت التحديات اللوجستية والبيئية. تاريخياً، كانت البطولات السابقة تحاول تقليل بصمتها الكربونية، حيث أنتج مونديال قطر 2022 حوالي 5.25 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون. ومع ذلك، وبناءً على أبحاث أجراها علماء من أجل المسؤولية العالمية، من المقرر أن تولد النسخة المقبلة أكثر من 9 ملايين طن من الانبعاثات، مما يجعلها النسخة الأكثر إضراراً بالمناخ على الإطلاق.
الأبعاد الاقتصادية والبيئية: تأثيرات تتجاوز حدود الملاعب
لا يقتصر تأثير كأس العالم على الجانب الرياضي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً محلية، إقليمية، ودولية عميقة. على المستوى المحلي والإقليمي، ستستفيد الدول الثلاث المستضيفة من انتعاش اقتصادي ضخم، وتطوير في البنية التحتية، وخلق آلاف فرص العمل بفضل التعاون المشترك بينها. ومع ذلك، فإن هذا التأثير الإيجابي يقابله ضغط هائل على الموارد المحلية وشبكات النقل والطاقة. أما على الصعيد الدولي، فإن الحدث يضع مصداقية الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي على المحك. إن كيفية إدارة هذا الحدث الضخم ستوجه رسالة قوية للعالم بأسره حول مدى جدية المؤسسات الرياضية الكبرى في الالتزام بالمعاهدات البيئية الدولية وتحقيق التنمية المستدامة.
أبرز العوامل التي تزيد من تلوث كأس العالم 2026
الاعتماد الكثيف على السفر الجوي
إن توسيع رقعة البطولة لتشمل 16 مدينة موزعة على ثلاث دول ذات مساحات جغرافية شاسعة يعني أن اللاعبين، الأطقم الفنية، والمشجعين سيضطرون لقطع مسافات أبعد بكثير لحضور المباريات. ونظراً لغياب البدائل منخفضة الكربون مثل شبكات السكك الحديدية عالية السرعة التي تربط بين جميع هذه المدن في أمريكا الشمالية، سيتدفق الغالبية العظمى إلى المطارات للسفر بين المدن والبلدان. تشير التقديرات إلى أن انبعاثات النقل الجوي سترتفع بنسبة تتراوح بين 160% و325% للبطولة، وكذلك لنسختي 2030 و2034 مقارنة بمتوسط المستويات للنهائيات الأخيرة. ويُقدر أن النقل الجوي وحده في هذه النسخة سيمثل 7.72 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل أكثر من أربعة أضعاف حجم انبعاثات النقل الجوي التي شُهدت في النسخ من 2010 إلى 2022.
الاستهلاك المفرط للطاقة وسط موجات الحر
عامل رئيسي آخر يساهم في زيادة الانبعاثات هو الارتفاع المتوقع في استهلاك الطاقة بسبب الحرارة الشديدة. إقامة البطولة خلال شهري يونيو ويوليو يضعها مباشرة في الإطار الزمني لموجات الحر القاسية في العديد من المدن الكبرى المستضيفة. هناك مدن مثل هيوستن ودالاس تشهد ظروفاً جوية قاسية ودرجات حرارة قصوى، مما سيجبر المنظمين على إرساء قواعد لسلامة اللاعبين من خلال فترات الراحة الإلزامية للتبريد، نظراً للحرارة الشديدة التي تتجاوز عتبات سلامة الفيفا. وبالتالي، ستتطلب هذه الملاعب استهلاكاً هائلاً للطاقة لتشغيل أنظمة التبريد العملاقة، وهو ما يخلق حلقة مفرغة حيث يؤدي تغير المناخ إلى زيادة استهلاك الطاقة، والذي بدوره يسرع من وتيرة الاحتباس الحراري.
إستراتيجية الفيفا للحد من المخاطر البيئية: هل هي كافية؟
في عام 2021، قدم الفيفا لأول مرة تقرير إستراتيجية المناخ، متعهداً بخفض انبعاثات الكربون بنسبة 50% بحلول عام 2030، وتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول 2040. ولتحقيق ذلك، اقترح استراتيجيات تشمل تعزيز البنية التحتية المستدامة، كفاءة الطاقة، واستخدام الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى برامج تعويض الكربون. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هناك خطوات أكثر صرامة يجب اتخاذها للحد من البصمة الكربونية. من بين هذه الخطوات، التراجع عن فكرة توسيع البطولة وتقليل عدد المنتخبات لتقليل الاعتماد على السفر الجوي. كما يُقترح إعادة النظر في سياسات الرعاية مع شركات الوقود الأحفوري، حيث أن بعض صفقات الرعاية قد ترتبط بانبعاثات تفوق تلك الناتجة عن البطولة نفسها. علاوة على ذلك، يمكن للفيفا تخفيض الحد الأدنى من متطلبات سعة الملاعب لتجنب بناء منشآت جديدة كثيفة الكربون. وحتى يتم تنفيذ تغييرات مؤسسية حقيقية، من المرجح أن تظل البطولة تنتج انبعاثات جسيمة تهدد البيئة.


