تصريحات جديدة تفتح نافذة للأمل
في خطوة قد تمثل تحولاً في مسار الملف النووي الإيراني، أعلن الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان عن استعداد بلاده التام للسماح بالتحقق الدولي من أن برنامجها النووي لا يسعى لتطوير أسلحة نووية. جاءت هذه التصريحات الهامة بالتزامن مع انعقاد جولة جديدة من المباحثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن في جنيف، مما يضفي عليها أهمية خاصة في ظل التوترات المستمرة.
ونقل الموقع الإلكتروني للرئاسة الإيرانية عن بزشكيان قوله بشكل قاطع: “نحن لا نسعى إلى حيازة الأسلحة النووية قطعاً، وإذا أراد أحد التحقق من ذلك، فنحن مستعدون لحصول إجراءات تحقق كهذه”. هذا التصريح يمثل إشارة واضحة للمجتمع الدولي، وخاصة للولايات المتحدة والقوى الغربية، بأن طهران قد تكون مستعدة لتقديم ضمانات ملموسة مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية الخانقة المفروضة عليها.
خلفية تاريخية: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغوط القصوى
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2015، عندما توصلت إيران ومجموعة (5+1) – التي تضم الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين، وألمانيا – إلى “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بالاتفاق النووي. وبموجب هذا الاتفاق، وافقت إيران على فرض قيود صارمة على أنشطتها النووية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم، مقابل رفع العقوبات الدولية عنها. إلا أن هذا المسار الدبلوماسي تعرض لانتكاسة كبيرة في عام 2018 عندما أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق من جانب واحد، وإعادة فرض عقوبات قاسية ضمن سياسة “الضغوط القصوى”. رداً على ذلك، بدأت إيران في التراجع تدريجياً عن التزاماتها، ورفعت مستويات تخصيب اليورانيوم إلى درجات نقاء عالية تقربها من المستوى اللازم لإنتاج سلاح نووي، مما أثار قلق الوكالة الدولية للطاقة الذرية والقوى العالمية.
الأهمية والتأثيرات المحتملة للتصريحات الجديدة
تكتسب تصريحات بزشكيان أهميتها من كونها أول إشارة دبلوماسية كبرى تصدر عن إدارته التي تولت السلطة حديثاً. على الصعيد المحلي، قد تعزز هذه الخطوة موقف التيار الإصلاحي الذي ينتمي إليه بزشكيان، والذي يدعو إلى الانفتاح على الغرب لحل الأزمات الاقتصادية. أما إقليمياً، فإن أي تقدم في المفاوضات من شأنه أن يساهم في تخفيف حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل قلق دول الجوار وإسرائيل من طموحات إيران النووية. دولياً، يراقب العالم هذه التطورات عن كثب، حيث إن التوصل إلى حل دبلوماسي سيؤدي إلى تعزيز منظومة منع الانتشار النووي عالمياً وقد يؤثر إيجاباً على استقرار أسواق الطاقة العالمية.
تحديات وعقبات في طريق المفاوضات
على الرغم من هذه الإشارات الإيجابية، لا يزال الطريق نحو إحياء الاتفاق النووي أو التوصل إلى تفاهم جديد محفوفاً بالتحديات. ففي واشنطن، أكد نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس أن إيران لا تزال غير مستعدة للقبول بـ”الخطوط الحمراء” التي حددتها إدارة ترامب، مشيراً إلى أن القرار النهائي بشأن استمرار المسار الدبلوماسي أو اللجوء لخيارات أخرى يبقى بيد الرئيس. ويبقى السؤال الأهم هو مدى قدرة إدارة بزشكيان على ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات عملية تحظى بموافقة المؤسسة الدينية العليا في إيران، والتي تمتلك الكلمة الفصل في القضايا الاستراتيجية الكبرى.


