نيابة باريس تغادر منصة إكس وسط تحقيقات واسعة
في خطوة لافتة تعكس حجم التوتر بين السلطات الفرنسية ومنصة التواصل الاجتماعي العملاقة، أعلنت النيابة العامة في باريس يوم الثلاثاء عن مغادرتها لمنصة إكس (تويتر سابقًا). ولم تكتفِ النيابة بهذا الإعلان، بل أشارت في رسالتها الوداعية إلى عملية تفتيش جرت مؤخرًا لمكاتب المنصة في فرنسا، وذلك في إطار تحقيق قضائي واسع النطاق. ودعت النيابة متابعيها إلى الانتقال إلى منصتي “لينكد إن” و”انستغرام” لمتابعة أخبارها، في إشارة واضحة إلى فقدان الثقة في إكس كقناة تواصل رسمية.
خلفية التحقيق واستدعاء إيلون ماسك
تعود جذور هذه الأزمة إلى تحقيق فُتح في يناير 2024، بناءً على شكاوى تقدم بها نواب فرنسيون نددوا بما وصفوه بـ “تحيز خوارزميات” المنصة. وتوسعت التحقيقات التي تقودها الوحدة الوطنية لمكافحة الجريمة الإلكترونية بالتعاون مع وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول”، لتشمل اتهامات أكثر خطورة، منها التواطؤ في حيازة وتوزيع مواد إباحية متعلقة بالأطفال، وإنشاء ونشر محتوى “التزييف العميق” ذي الطابع الجنسي، بالإضافة إلى تهمة إنكار محرقة الهولوكوست، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الفرنسي بصرامة.
وفي تطور كبير، كشفت المدعية العامة الفرنسية، لور بيكو، عن استدعاء كل من مالك المنصة إيلون ماسك، والرئيسة التنفيذية ليندا ياكارينو، للاستجواب في أبريل 2024 بصفتهما المسؤولين الفعليين عن المنصة خلال فترة وقوع المخالفات المزعومة.
السياق الأوروبي والضغوط التنظيمية
يأتي هذا الإجراء الفرنسي في سياق أوسع من الضغوط التنظيمية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على شركات التكنولوجيا الكبرى. فمنذ استحواذ إيلون ماسك على تويتر وإعادة تسميتها إلى إكس، أثارت التغييرات الجذرية في سياسات الإشراف على المحتوى، وتسريح آلاف الموظفين المختصين، قلقًا متزايدًا لدى المشرعين في بروكسل. ويعتبر “قانون الخدمات الرقمية” (DSA) الأوروبي الأداة الرئيسية التي يستخدمها الاتحاد لضمان التزام المنصات بمكافحة المحتوى غير القانوني والمعلومات المضللة، وقد أصبحت إكس تحت المجهر بشكل خاص لتقييم مدى امتثالها لهذه القواعد الصارمة.
تأثير القرار وأبعاده المستقبلية
إن مغادرة هيئة قضائية رفيعة المستوى مثل نيابة باريس لمنصة إكس لا يمثل مجرد خطوة رمزية، بل يحمل تأثيرًا ملموسًا. فعلى المستوى المحلي، قد يشجع هذا القرار مؤسسات حكومية فرنسية أخرى على إعادة تقييم وجودها على المنصة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإنه يرسل رسالة قوية مفادها أن عصر التساهل مع تجاوزات منصات التواصل الاجتماعي قد ولى، وأن عدم الامتثال للقوانين المحلية والأوروبية ستكون له عواقب وخيمة. كما يضع هذا التحقيق مستقبل عمليات إكس في فرنسا وأوروبا على المحك.
منصة إكس تصف الإجراءات بـ “المسيسة”
من جانبها، ردت منصة إكس ببيان حاد، واصفة الإجراءات الفرنسية بأنها “مسيسة” و”استعراضية”. وقال فريق الشؤون الحكومية في المنصة إن “مكتب المدعي العام في باريس روّج للمداهمة على نطاق واسع، مما يوضح أن الإجراء كان مصممًا لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة”. وأكدت المنصة أن الادعاءات الموجهة إليها “لا أساس لها من الصحة”، نافية ارتكاب أي مخالفات. ويتزامن هذا التوتر مع فتح هيئة تنظيم حماية البيانات في المملكة المتحدة تحقيقًا آخر بحق إكس وشركتها للذكاء الاصطناعي “xAI” بشأن صور غير لائقة أنشأها برنامج الدردشة الآلي “غروك”.

