تشهد محافظة القطيف في المنطقة الشرقية حراكاً ثقافياً وتراثياً دؤوباً، يقوده نخبة من الحرفيين المخضرمين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة حماية موروث «الخوصيات» من الاندثار. وتتمثل هذه الجهود في نقل أسرار هذه الصنعة الدقيقة، التي تُعرف محلياً بـ«هندسة السعف»، من جيل الآباء إلى الأبناء، لضمان استدامة الهوية التراثية العريقة للمنطقة، وتعزيز الاقتصاد الإبداعي القائم على الحرف اليدوية التقليدية.
عمق تاريخي وحضارة النخيل
ولا يمكن فصل هذه الحرفة عن السياق التاريخي والجغرافي للمنطقة الشرقية، التي لطالما عُرفت بأنها موطن لأكبر واحات النخيل في العالم. فقبل اكتشاف النفط، كانت النخلة هي عصب الحياة لسكان القطيف والأحساء، ليس فقط كمصدر للغذاء، بل كمصدر أساسي لمواد البناء والأثاث والأدوات المنزلية. وقد شكلت صناعة الخوص جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد المحلي القديم، حيث أبدع الأجداد في تطويع سعف النخيل لخدمة احتياجاتهم اليومية، مما جعل هذه الحرفة شاهداً حياً على قدرة الإنسان على التكيف مع بيئته واستغلال مواردها الطبيعية بذكاء واستدامة.
رواد الحرفة وتوثيق الذاكرة
وفي سياق هذا الحراك، يبرز الحرفي علي حسن الربح، الذي يؤكد أن تمسكه بهذه الحرفة يأتي امتداداً لإرث والده الحاج حسن الربح. ويهدف الربح من خلال عمله الدؤوب إلى توثيق نمط الحياة القديم ونقله بصورة حية للأجيال الجديدة. ويمتلك الربح خبرة تمتد لسنوات طويلة في تحويل سعف النخيل إلى منتجات وظيفية وجمالية، تشمل «الزبيل» و«المرفعة» و«القفة»، بالإضافة إلى أدوات التبريد التقليدية مثل «المروحة المهفة»، وأدوات السفرة والضيافة كـ«السفرة» و«الحصير».
أسرار الهندسة اليدوية
من جانبه، يروي صانع الخوصيات عبدرب الرسول المطر تفاصيل رحلته التي بدأت في سن التاسعة، حين تلقى أصول الحرفة على يد والدته. وقد أتقن المطر تقنية «السفة» الأساسية التي تتفرع منها كافة الأشكال الفنية الأخرى. ويعتمد في إنتاجه على مهارات هندسية فطرية معقدة، حيث يبدأ العمل بستة رؤوس من الخوص، قبل أن يضيف «الرأس السابع» الذي يسميه الحرفيون القدامى «الأب»، وهو الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها تماسك المنتج النهائي.
ويشير المطر إلى أن صناعة «السفة» الواحدة تتطلب دقة متناهية وصبراً طويلاً، إذ تستلزم تجهيز ثلاثين «سفة»، يبلغ طول الواحدة منها ثلاثة باعات ونصف، يتم تشبيكها معاً بأسلوب فني دقيق. وتتنوع المسميات التقنية بناءً على عدد التفرعات، مثل «التخميسة» (فرعين)، و«السمط» (أربعة فروع)، وصولاً إلى «العُشر».
أهمية ثقافية واقتصادية
وتكتسب هذه الجهود أهمية بالغة في الوقت الراهن، حيث تتماشى مع التوجهات الوطنية لإحياء التراث غير المادي وتشجيع السياحة الثقافية. فالحفاظ على صناعة الخوص لا يقتصر على الجانب العاطفي فحسب، بل يمثل رافداً للاقتصاد المحلي من خلال المشاركة في المهرجانات التراثية والأسواق الشعبية التي تجذب الزوار والسياح. ويشدد الحرفيون على أن دافعهم الأول ليس الربح المادي، بل الحفاظ على الذاكرة التاريخية، حيث يرفض البعض بيع قطعهم النادرة لتبقى شاهداً على الزمن الجميل وتراث المنطقة الأصيل.

