أعلنت مصادر أمنية باكستانية عن مقتل 197 مسلحاً في عمليات مكثفة لمكافحة الإرهاب نفذتها قوات الأمن على مدى ثلاثة أيام في إقليم بلوشستان، الواقع جنوب غرب باكستان. وأوضحت المصادر أن هذه العمليات الواسعة استهدفت بشكل أساسي عناصر تنتمي إلى جماعة “جيش تحرير بلوشستان” المحظورة، والتي تعد من أبرز الجماعات الانفصالية المسلحة الناشطة في الإقليم.
ووفقاً للبيانات الرسمية، أسفرت المواجهات أيضاً عن مقتل 22 من أفراد قوات الأمن والجيش أثناء تصديهم للهجمات، بالإضافة إلى مقتل 36 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، في هجمات شنتها الجماعات المسلحة قبل أن تتمكن القوات من إحباطها وتأمين المناطق المستهدفة. وأكدت السلطات أن عمليات التمشيط والمداهمة لا تزال مستمرة لتفكيك الخلايا الإرهابية المتبقية ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها، بهدف استعادة الاستقرار الكامل في الإقليم.
خلفية الصراع في بلوشستان
يأتي هذا التصعيد الأمني في سياق صراع طويل الأمد تشهده بلوشستان، أكبر أقاليم باكستان من حيث المساحة وأغناها بالموارد الطبيعية مثل الغاز والمعادن. منذ عقود، تعاني المنطقة من حركات تمرد انفصالية تقودها جماعات قومية بلوشية تطالب بحكم ذاتي أوسع، وبحصة أكبر من عائدات الموارد الطبيعية، وتتهم الحكومة المركزية بتهميش الإقليم سياسياً واقتصادياً. وتعتبر جماعة “جيش تحرير بلوشستان” وغيرها من الفصائل المسلحة أن المشاريع التنموية الكبرى في الإقليم، خاصة تلك المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية، تهدف إلى استغلال ثروات الإقليم دون فائدة تذكر لسكانه المحليين.
الأهمية الاستراتيجية والتداعيات الأمنية
تكتسب بلوشستان أهمية استراتيجية كبرى لباكستان والمنطقة بأسرها، فهي تحتضن ميناء جوادر ذي المياه العميقة، والذي يعد محوراً رئيسياً في مشروع “الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني” (CPEC)، وهو جزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية. هذا المشروع الضخم، الذي تقدر تكلفته بمليارات الدولارات، يهدف إلى ربط غرب الصين ببحر العرب عبر شبكة من الطرق والموانئ وخطوط الأنابيب، مما يجعله هدفاً رئيسياً للجماعات المسلحة التي تسعى لعرقلته. وبالتالي، فإن استقرار بلوشستان لا يمثل أولوية أمنية داخلية لباكستان فحسب، بل هو أيضاً ضرورة اقتصادية واستراتيجية لضمان نجاح هذه المشاريع الدولية. إن العمليات العسكرية المستمرة، مثل هذه العملية الأخيرة، تعكس تصميم إسلام آباد على فرض سيطرة الدولة وتأمين هذه الاستثمارات الحيوية، الأمر الذي يضعها في مواجهة مستمرة مع الجماعات المسلحة، ويؤثر بشكل مباشر على أمن المنطقة واستقرارها الإقليمي.


