أعلنت الحكومة الباكستانية عن خطوة اقتصادية جريئة، تمثل أقوى مساعيها منذ عقود لإصلاح شركة الطيران الوطنية، حيث كشفت عن عزمها طرح 75% من أسهم الخطوط الجوية الباكستانية الدولية (PIA) للبيع. وأوضحت الحكومة أن عملية تقديم العطاءات ستبدأ في 23 ديسمبر الجاري، مع الاحتفاظ بالاسم والعلامة التجارية الشهيرة للشركة، على أن يتم طرح نسبة الـ 25% المتبقية في غضون شهر من إتمام الصفقة الأولى.
خلفية تاريخية: من قمة المجد إلى حافة الانهيار
تأتي هذه الخطوة لترسم نهاية محتملة لعقود من التدهور لشركة كانت يومًا ما رمزًا للفخر الوطني وأحد أبرز الناقلين الجويين في آسيا. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت الخطوط الجوية الباكستانية نموذجًا يحتذى به في الكفاءة والخدمة، حتى أنها ساهمت في تأسيس شركات طيران كبرى مثل طيران الإمارات. لكن الشركة عانت لاحقًا من سوء إدارة مزمن، وتدخلات سياسية أدت إلى تضخم هائل في عدد الموظفين، وتراكم الديون التي أصبحت عبئًا لا يطاق على ميزانية الدولة، حيث تجاوزت خسائرها المتراكمة 2.5 مليار دولار.
الأهمية والتأثير المتوقع للخصخصة
تكتسب عملية الخصخصة أهمية قصوى على عدة مستويات. محليًا، يُنظر إليها على أنها ضرورة حتمية لتخفيف العبء المالي عن كاهل الدولة وإنقاذ دافعي الضرائب من تمويل كيان خاسر. كما أنها تعد شرطًا أساسيًا في برنامج الإنقاذ المالي الذي أبرمته باكستان مع صندوق النقد الدولي بقيمة 7 مليارات دولار، والذي يهدف إلى تطبيق إصلاحات هيكلية واسعة في الاقتصاد الباكستاني. دوليًا، يمثل نجاح الصفقة رسالة قوية للمستثمرين الأجانب حول جدية إسلام آباد في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية. كما أن إعادة هيكلة الشركة قد تمهد الطريق لرفع الحظر المفروض على رحلاتها إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة منذ عام 2020، والذي جاء في أعقاب فضيحة تتعلق بتراخيص الطيارين أضرت بسمعة الشركة بشكل كبير.
تفاصيل الخطة وشروط البيع
بموجب خطة الخصخصة الطموحة، من المتوقع أن يرتفع عدد الطائرات الصالحة للطيران في أسطول الخطوط الجوية الباكستانية من 18 طائرة حاليًا إلى 38 طائرة بحلول عام 2029. وقد تأهلت أربع مجموعات استثمارية للصفقة في يوليو الماضي، من بينها شركة طيران باكستانية خاصة، مما يشير إلى وجود اهتمام جاد بالسوق. ولضمان التزام المستثمر الجديد بإنعاش الشركة، تنص الشروط على أن يدفع مقدم العطاء الفائز 7.5% فقط من قيمة الصفقة نقدًا، على أن يتم إعادة استثمار النسبة المتبقية البالغة 92.5% مباشرة في عمليات الشركة وتطويرها. ورغم فشل محاولات سابقة للخصخصة بسبب مقاومة النقابات والتحديات القانونية، تأمل الحكومة هذه المرة في أن تكون الشروط الجديدة والضغط الاقتصادي عاملين حاسمين لإنجاح الصفقة وفتح صفحة جديدة في تاريخ الطيران الباكستاني.


