عمر المهنا وإرث الثقة في التحكيم السعودي | مستقبل الصافرة

عمر المهنا وإرث الثقة في التحكيم السعودي | مستقبل الصافرة

يناير 25, 2026
9 mins read
تحليل لأزمة الثقة في الحكم السعودي بمقارنة زمن عمر المهنا بالوضع الحالي. كيف يؤثر الاعتماد على الحكام الأجانب على مستقبل التحكيم في السعودية؟

في تاريخ كل رياضة، هناك شخصيات تتجاوز مناصبها لتصبح رموزًا لمرحلة بأكملها، لا لسنوات الخدمة الطويلة، بل لعمق الأثر الذي تركته. ويُعد الحكم الدولي السابق عمر المهنا أحد أبرز هذه الوجوه في تاريخ كرة القدم السعودية، حيث يرتبط اسمه بفترة كانت فيها الصافرة المحلية تحظى بثقة واحترام كبيرين، ويُستدعى إرثه كلما أثير الجدل حول هوية التحكيم في الملاعب السعودية.

خلفية تاريخية: التحكيم بين الضغوط المحلية والبحث عن حلول

لطالما كان التحكيم في الدوري السعودي، بتاريخه الحافل بالمنافسة الشرسة والجماهيرية العارمة، ساحة للضغوط الإعلامية والجماهيرية. ومنذ عقود، ظهرت فكرة الاستعانة بالحكام الأجانب كحل للمباريات الحساسة بهدف تخفيف الاحتقان وضمان الحياد. لكن هذه الفكرة تحولت تدريجيًا من حل استثنائي إلى قاعدة شبه دائمة، مما أثار تساؤلات حول مستقبل الحكم السعودي. في خضم هذا السياق، برزت فترة رئاسة عمر المهنا للجنة الحكام (2011-2017) كنقطة تحول، حيث تبنت اللجنة سياسة واضحة لدعم وتمكين الحكم المحلي ومنحه الفرصة الكاملة في أصعب المباريات.

تجربة المهنا: الثقة كحجر زاوية

خلال فترة المهنا، لم يختفِ الخطأ التحكيمي، فهو جزء لا يتجزأ من كرة القدم. لكن ما كان حاضرًا بقوة هو الثقة؛ الثقة في قدرة الحكم السعودي على إدارة ديربيات وكلاسيكيات الكرة السعودية بكفاءة، والثقة في أن ابن البلد هو الأقدر على فهم حساسية المنافسة. نجح المهنا في تقليص الاعتماد على الحكام الأجانب إلى أضيق نطاق، مما منح جيلاً كاملاً من الحكام فرصة لصقل مهاراتهم تحت الضغط. ولعل أبرز دليل على نجاح تلك المرحلة هو التنوع في سجل أبطال الدوري، حيث توجت أندية مختلفة مثل الفتح، الشباب، الأهلي، النصر، والهلال باللقب، مما يعكس استقرارًا فنيًا وعدالة تنافسية لم تكن محل تشكيك واسع.

التأثير المحلي والدولي: تراجع الحضور وغياب الصف الثاني

اليوم، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا. الحضور المكثف للحكام الأجانب، الذي وصل إلى حد استقدام حكم رابع أجنبي في بعض الأحيان، يبعث برسالة ضمنية بفقدان الثقة في الكفاءات الوطنية. هذا التوجه له تأثيرات سلبية تتجاوز حدود الملعب؛ فعلى الصعيد المحلي، يؤدي إلى إحباط جيل من الحكام الشباب الذين لا يجدون مسارًا واضحًا للتطور والوصول إلى القمة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن غياب الحكم السعودي عن إدارة المباريات الكبرى في دوريه يفقده الخبرة اللازمة للمشاركة في المحافل القارية والعالمية. فبينما نرى حكامًا من دول أخرى يديرون نهائيات كبرى، يغيب الحكم السعودي عن المشهد، رغم أن قوة الدوري وتصنيفه العالمي يفترضان وجود منظومة تحكيم موازية في التطور.

المستقبل يبدأ من الداخل: هل نطور الحكم أم نقصيه؟

إن السؤال الجوهري ليس حول كفاءة الحكم السعودي، بل حول البيئة التي يعمل فيها. فتاريخ التحكيم يثبت أن فترات القوة ارتبطت دائمًا بوجود مشروع وطني يضع الحكم المحلي في صلب اهتماماته، بينما جاء التراجع عندما أصبح الحكم الأجنبي هو الحل الأسهل. المطلوب ليس إغلاق الباب أمام الخبرات الأجنبية، بل توظيفها لتطوير الكوادر المحلية من خلال برامج تدريب ومعايشة متقدمة، لا لإقصائها. إن مستقبل التحكيم السعودي لن يُبنى بالحلول المستوردة الجاهزة، بل بإعادة بناء الثقة، وتوفير الدعم، والإيمان بأن الصافرة السعودية ليست جزءًا من المشكلة، بل هي أساس الحل لضمان هوية واستدامة المنافسة.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى