شهدت تكاليف شحن النفط الخام قفزة هائلة لتصل إلى أعلى مستوياتها في ست سنوات، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، التي تعد شريان الطاقة العالمي. ويأتي هذا الارتفاع مدفوعًا بمزيج من زيادة قياسية في الصادرات النفطية من المنطقة والمخاوف المتنامية من اندلاع صراع عسكري محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، مما يهدد استقرار الممرات الملاحية الحيوية.
وفقًا لبيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية، تجاوزت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة (VLCC) لنقل مليوني برميل من الخام من الشرق الأوسط إلى الصين حاجز 170 ألف دولار يوميًا. ويمثل هذا الرقم زيادة بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ بداية العام، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أبريل 2020، في ذروة اضطرابات السوق التي سببتها جائحة كورونا. وتتزامن هذه القفزة مع بيانات كشفت أن صادرات الخام من الشرق الأوسط تجاوزت 19 مليون برميل يوميًا خلال شهر فبراير، مدعومة بزيادة الإنتاج من دول المنطقة وتنامي الطلب من الهند التي قلصت وارداتها من النفط الروسي.
السياق التاريخي وأهمية مضيق هرمز
تتركز المخاوف بشكل خاص حول مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبره ما يقرب من خُمس استهلاك النفط العالمي يوميًا. لطالما كان هذا المضيق نقطة اشتعال في التوترات الإقليمية. ففي ثمانينيات القرن الماضي، خلال الحرب الإيرانية العراقية، شهدت المنطقة ما عُرف بـ “حرب الناقلات”، حيث تم استهداف سفن الشحن التجارية من كلا الجانبين، مما أدى إلى ارتفاع هائل في تكاليف التأمين والشحن. أي تهديد بإغلاق المضيق أو عسكرة الملاحة فيه اليوم من شأنه أن يرسل موجات صادمة عبر أسواق الطاقة العالمية، مما يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الاضطراب السابقة.
التأثيرات الاقتصادية الإقليمية والدولية
إن ارتفاع تكاليف الشحن لا يؤثر فقط على شركات النقل البحري، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأسره. فبالنسبة للدول المستوردة للنفط، مثل الصين والهند واليابان، تعني تكاليف الشحن المرتفعة زيادة في فاتورة استيراد الطاقة، مما قد يساهم في ضغوط تضخمية محلية. أما على الصعيد الدولي، فإن أي اضطراب في إمدادات النفط من الشرق الأوسط سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، مما يؤثر على تكاليف النقل والتصنيع والكهرباء للمستهلكين والشركات في كل مكان.
وتتفاقم هذه المخاوف بسبب حالة عدم اليقين المحيطة بأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب. ففي حال تنفيذ ضربات عسكرية، من المتوقع أن ترتفع تكاليف التأمين على السفن التي تبحر في المنطقة بشكل كبير، وهو ما سيضيف عبئًا ماليًا جديدًا على تكلفة نقل كل برميل نفط، وسيتم تمرير هذه التكلفة في النهاية إلى المستهلك النهائي. يراقب السوق عن كثب أي تطورات، حيث أن استمرار التوترات يبقي أسعار الشحن في حالة تأهب قصوى، مما يعكس الهشاشة الحالية لأمن الطاقة العالمي.


