شهدت أسعار النفط قفزة ملحوظة بنسبة 5% خلال تعاملات اليوم الأربعاء، وذلك بالتزامن مع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية وتفاقم المخاوف من حدوث مزيد من الاضطرابات في إمدادات الطاقة بمنطقة الشرق الأوسط. جاء هذا الارتفاع الحاد بعد تقارير تفيد بتعرض حقل بارس الضخم للغاز في إيران لهجوم، مما أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الإقليمي والدولي.
وعلى صعيد التداولات، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 5.14 دولار، أي ما يعادل 5%، لتصل إلى 108.56 دولار للبرميل عند الساعة 18:30 بتوقيت جرينتش، بعد أن لامست مستوى 109.95 دولار في وقت سابق من الجلسة. وفي السياق ذاته، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 2.17 دولار، أو 2.3%، ليسجل 98.38 دولار للبرميل، مما يعكس حالة القلق التي تسيطر على المستثمرين في الأسواق العالمية.
الأهمية الاستراتيجية لحقل بارس وتأثيره على أسعار النفط
يُعد حقل بارس الجنوبي، الذي تتقاسمه إيران مع دولة قطر (حيث يُعرف في الدوحة باسم حقل الشمال)، أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم. تاريخياً، لعب هذا الحقل دوراً محورياً في تلبية احتياجات الطاقة المحلية لإيران وتعزيز مكانتها كلاعب رئيسي في سوق الغاز العالمي. إن استهداف بنية تحتية بهذا الحجم لا يهدد فقط إنتاج الغاز، بل يمتد تأثيره النفسي والفعلي ليضغط على أسعار النفط، حيث يخشى المتداولون من انتقال شرارة الصراع إلى منشآت نفطية مجاورة أو تعطيل مسارات الملاحة الحيوية.
وفي هذا الصدد، أشار المحلل أولي هفالبي من بنك “إي إس بي” إلى أن الهجمات على حقل بارس الجنوبي الإيراني تسهم بشكل مباشر في رفع أسعار الطاقة. وأكد أن أي تصعيد إضافي يستهدف البنية التحتية للطاقة في المنطقة سيؤدي حتماً إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار. وتُقدر إجمالي تخفيضات إنتاج النفط المحتملة في الشرق الأوسط في ظل هذه الظروف بما يتراوح بين 7 و10 ملايين برميل يومياً، وهو ما يعادل 7% إلى 10% من إجمالي الطلب العالمي، مما يبرز حجم الأزمة الاقتصادية المحتملة.
تداعيات الصراع على ممرات الملاحة العالمية
أدت التوترات العسكرية الحالية إلى توقف شبه كامل للشحنات عبر مضيق هرمز، الذي يُصنف كأهم شريان نفطي في العالم. يمر عبر هذا المضيق الاستراتيجي نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. إن أي إغلاق أو تهديد للملاحة في هذا الممر المائي ينعكس فوراً على الاقتصادات الكبرى التي تعتمد بكثافة على واردات الطاقة من الخليج العربي، مما يهدد بموجة تضخم عالمية جديدة تضرب الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء وتؤثر على تكلفة المعيشة عالمياً.
التحركات الأمريكية لاحتواء أزمة الإمدادات
في محاولة عاجلة لتخفيف حدة الارتفاع الصاروخي للأسعار وضمان استقرار الأسواق المحلية، أعلنت الإدارة الأمريكية اليوم الأربعاء عن إعفاء مؤقت لمدة 60 يوماً من “قانون جونز للشحن”. هذا القرار الاستثنائي يسمح للسفن التي ترفع أعلاماً أجنبية بنقل الوقود والأسمدة وغيرها من البضائع الحيوية بين الموانئ الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة الاستباقية في وقت يضغط فيه ارتفاع تكاليف الطاقة والمنتجات الزراعية بشدة على سلاسل التوريد، وسط استمرار الصراع الجيوسياسي وتأثيراته الممتدة على الاقتصاد العالمي.


