تصعيد عسكري في شبه الجزيرة الكورية
في خطوة تزيد من حدة التوترات في شرق آسيا، أعلنت كوريا الشمالية عن نجاحها في تطوير واختبار قاذفة صواريخ ضخمة متعددة الفوهات، مؤكدةً أنها قادرة على حمل رؤوس حربية نووية تكتيكية. وأشرف الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، شخصيًا على الكشف الرسمي عن المنظومة الجديدة، التي وصفتها وسائل الإعلام الرسمية بأنها تمثل نقلة نوعية في القدرات الهجومية للبلاد. ووفقًا لوكالة الأنباء المركزية الكورية، أشاد كيم خلال حفل أقيم بهذه المناسبة بمنظومة قاذفات الصواريخ الجديدة من عيار 600 ملم، واصفًا إياها بأنها “فريدة من نوعها في العالم” و”ملائمة لتنفيذ مهمة استراتيجية”، وهو مصطلح يُستخدم عادةً للإشارة إلى القدرات النووية. ويأتي هذا الإعلان ليرسل رسالة تحدٍ واضحة لجارتها الجنوبية وحليفتها الولايات المتحدة، مؤكدًا على عزم بيونغ يانغ المضي قدمًا في تعزيز ترسانتها العسكرية رغم العقوبات الدولية المفروضة عليها.
خلفية تاريخية لبرنامج بيونغ يانغ العسكري
لم يأتِ هذا التطور من فراغ، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من جهود كوريا الشمالية لتطوير برنامجها النووي والصاروخي الذي بدأ منذ عقود. فمنذ انتهاء الحرب الكورية (1950-1953) بهدنة وليس بمعاهدة سلام، ظلت شبه الجزيرة الكورية في حالة توتر دائم. وقد سعت بيونغ يانغ لامتلاك سلاح نووي كرادع استراتيجي لضمان بقاء نظامها في مواجهة ما تعتبره تهديدات من قبل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وقد أجرت أول تجربة نووية لها في عام 2006، ومنذ ذلك الحين، واصلت تطوير قدراتها بإجراء تجارب إضافية وإطلاق صواريخ باليستية متنوعة المدى، من قصيرة المدى إلى العابرة للقارات. وتعتبر هذه الاستراتيجية جزءًا لا يتجزأ من عقيدتها العسكرية القائمة على “الردع”، حيث ترى أن امتلاك قوة نووية هو الضمان الوحيد لعدم تعرضها لهجوم عسكري.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير الإقليمي والدولي
يحمل الكشف عن هذه القاذفة الجديدة تداعيات استراتيجية خطيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي. محليًا، يضع هذا السلاح كوريا الجنوبية بأكملها، بما في ذلك العاصمة سيول والمراكز السكانية الكبرى، تحت تهديد مباشر بهجوم نووي تكتيكي يصعب صده. فالأسلحة النووية التكتيكية مصممة للاستخدام في ساحة المعركة، مما يخفض عتبة استخدام السلاح النووي ويزيد من خطر سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى حرب شاملة. إقليميًا، يثير هذا التطور قلقًا بالغًا لدى اليابان، التي تقع في مرمى الصواريخ الكورية الشمالية، كما أنه يزيد من تعقيد الحسابات الأمنية للولايات المتحدة التي تنشر قواتها في كل من كوريا الجنوبية واليابان. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الخطوة تمثل تحديًا كبيرًا لجهود منع الانتشار النووي وتقوض استقرار منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتضع ضغوطًا إضافية على القوى الكبرى لإيجاد سبيل للتعامل مع طموحات بيونغ يانغ النووية المتنامية.


