في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) دعوة ملحة إلى ضبط النفس وتحمل المسؤولية، وذلك في أعقاب الانهيار الفعلي لمعاهدة “نيو ستارت”، التي كانت تمثل آخر اتفاقية ثنائية قائمة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا. وتأتي هذه الدعوة في وقت حرج، حيث يواجه العالم فراغاً في آليات الرقابة على التسلح الاستراتيجي للمرة الأولى منذ عقود.
ونقلت وكالات أنباء عن مسؤول في الحلف تأكيده يوم الخميس على أن “ضبط النفس وتحمل المسؤولية في المجال النووي أمران أساسيان للأمن العالمي”. وأشار المسؤول إلى أن الحلف يراقب عن كثب قيام روسيا والصين بتعزيز وتحديث قدراتهما النووية بشكل كبير، مؤكداً أن الناتو “سيواصل اتخاذ كافة الخطوات اللازمة” لضمان أمنه وقدراته الدفاعية والردع في مواجهة هذا الواقع الجديد.
خلفية تاريخية: نهاية حقبة من الاستقرار الاستراتيجي
تمثل معاهدة “نيو ستارت”، التي تم توقيعها في عام 2010 بين الرئيسين باراك أوباما ودميتري ميدفيديف، تتويجاً لعقود من الجهود الدبلوماسية التي بدأت خلال الحرب الباردة للحد من خطر المواجهة النووية. كانت المعاهدة تضع قيوداً يمكن التحقق منها على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، حيث حددت سقفاً للرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة عند 1550 رأساً، و700 صاروخ وقاذفة منتشرة. والأهم من ذلك، أنها أرست نظاماً صارماً للتحقق المتبادل، بما في ذلك عمليات التفتيش الميداني، مما وفر شفافية وقدرة على التنبؤ بسلوك الطرف الآخر.
إلا أن هذا الصرح الأمني بدأ في التداعي عندما أعلنت روسيا في فبراير 2023 تعليق مشاركتها في المعاهدة، متهمة واشنطن بانتهاك روح الاتفاقية عبر دعمها لأوكرانيا. ورغم أن المعاهدة كان من المقرر أن تنتهي صلاحيتها رسمياً في عام 2026، فإن قرار موسكو أدى إلى توقف جميع أنشطة التحقق، مما جعل المعاهدة فارغة من مضمونها وأنهى تطبيقها عملياً.
التأثير المتوقع: مخاوف من سباق تسلح ثلاثي الأبعاد
يثير انهيار “نيو ستارت” مخاوف جدية على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى الدولي، يفتح غياب القيود الباب أمام سباق تسلح جديد ومكلف بين واشنطن وموسكو. فبدون آليات الشفافية، قد يلجأ كل طرف إلى افتراض الأسوأ بشأن نوايا الطرف الآخر، مما يؤدي إلى زيادة الإنفاق على تطوير وتوسيع الترسانات النووية.
ويزداد المشهد تعقيداً مع الصعود السريع للصين كقوة نووية كبرى. فبكين، التي لم تكن طرفاً في أي من معاهدات الحد من التسلح، تعمل على توسيع ترسانتها بوتيرة متسارعة. لطالما دعت الولايات المتحدة إلى إشراك الصين في محادثات ثلاثية، وهو ما رفضته بكين باستمرار. والآن، ومع غياب أي اتفاقية بين القوتين النوويتين الأكبر، يصبح من الصعب إقناع الصين بالانضمام إلى أي إطار مستقبلي للحد من التسلح، مما ينذر بعصر من المنافسة الاستراتيجية ثلاثية الأبعاد وغير المنظمة.
هذا الوضع يضع حلفاء الناتو، خاصة في أوروبا، في موقف أكثر خطورة، حيث يواجهون بيئة أمنية أقل استقراراً وأكثر غموضاً على حدودهم الشرقية. وتؤكد دعوة الحلف لضبط النفس على حجم القلق السائد من أن يؤدي هذا الفراغ الاستراتيجي إلى سوء تقدير أو تصعيد غير مقصود في المستقبل.


