في خطوة دبلوماسية لافتة، دعت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، خلال زيارتها إلى أديس أبابا، إلى إرساء أسس تعاون حقيقي واستراتيجي بين قارة أفريقيا وإيطاليا، مؤكدة أن هذه الشراكة يجب أن تقوم على مبدأ “الندية والاحترام المتبادل”. وخلال كلمتها أمام القمة الـ39 للاتحاد الأفريقي، شددت ميلوني على طموح بلادها لتكون جسرًا محوريًا يربط بين أوروبا وأفريقيا، ليس فقط جغرافيًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا أيضًا.
خلفية تاريخية ورؤية جديدة: من الماضي الاستعماري إلى خطة ماتي
تأتي هذه الدعوة في سياق تحول كبير في السياسة الخارجية الإيطالية تجاه أفريقيا. فالعلاقات التاريخية بين الجانبين معقدة، حيث تحمل إرثًا استعماريًا إيطاليًا في دول مثل ليبيا وإريتريا والصومال وإثيوبيا. إلا أن حكومة ميلوني تسعى اليوم إلى طي هذه الصفحة وفتح فصل جديد قائم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة. الركيزة الأساسية لهذه الرؤية الجديدة هي “خطة ماتي”، وهي مبادرة استراتيجية سميت تيمنًا بـ “إنريكو ماتي”، مؤسس شركة الطاقة الإيطالية العملاقة “إيني” في الخمسينيات، والذي كان من دعاة إقامة علاقات غير استغلالية مع الدول المنتجة للطاقة، تقوم على الشراكة بدلاً من الهيمنة.
الأهمية الاستراتيجية والأثر المتوقع للشراكة
تتجاوز أهمية هذه الشراكة المقترحة حدود العلاقات الثنائية، لتمتد آثارها على الصعيدين الإقليمي والدولي. وتتمحور أهدافها حول عدة محاور رئيسية:
- أمن الطاقة لأوروبا: في ظل الأزمة الأوكرانية وسعي أوروبا لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي، ترى إيطاليا في أفريقيا شريكًا استراتيجيًا ومصدرًا موثوقًا للطاقة. تهدف الخطة إلى تحويل إيطاليا إلى مركز رئيسي لتوزيع الطاقة من أفريقيا إلى بقية دول الاتحاد الأوروبي.
- معالجة الهجرة غير الشرعية: تعتبر قضية الهجرة من أهم التحديات التي تواجه إيطاليا وأوروبا. تقوم فلسفة “خطة ماتي” على معالجة الأسباب الجذرية للهجرة من خلال الاستثمار في التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل للشباب في بلدانهم الأصلية، مما يقلل من دوافع الهجرة المحفوفة بالمخاطر.
- مواجهة النفوذ الدولي المتزايد: تأتي المبادرة الإيطالية في وقت تتزايد فيه المنافسة الجيوسياسية على النفوذ في أفريقيا من قبل قوى عالمية مثل الصين وروسيا. وتقدم روما نموذجًا بديلاً للتعاون، يركز على التنمية المستدامة ونقل التكنولوجيا بدلاً من الديون أو الاستغلال.
وأكدت ميلوني أن “التعاون الحقيقي هو الذي لا يتوقف أبدًا، والذي لا يكون إلا في إطار علاقة أساسها الندية، علاقة تكون فيها خصوصيات كل طرف ضرورية لتحقيق هدف مشترك”. ومع انعقاد القمة الثانية بين إيطاليا وأفريقيا، تتجه الأنظار نحو كيفية ترجمة هذه الرؤية الطموحة إلى مشاريع ملموسة تعود بالنفع على كلا الجانبين، وتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الأوروبية-الأفريقية.


