مقدمة: عندما تفقد الصحافة بوصلتها الأخلاقية
في مقال يحمل دلالات عميقة، يطرح الكاتب تركي الدعجم قضية جوهرية تهدد صميم العمل الإعلامي، وهي تحوله من رسالة سامية إلى مجرد “مقاولات” تجارية. هذا التشبيه البليغ يختزل أزمة الثقة التي يعاني منها الإعلام المعاصر، حيث تطغى المصالح المادية والسياسية أحيانًا على مبادئ الحقيقة والموضوعية والمسؤولية الاجتماعية. إن النظر إلى الإعلام كسلعة تُباع وتُشترى يفرغه من محتواه الحقيقي ويجرده من دوره كسلطة رابعة تراقب وتكشف وتُنير الرأي العام.
السياق التاريخي: الإعلام كسلطة رابعة
تاريخيًا، نشأت الصحافة لتكون صوت الناس ومرآة المجتمع. أُطلق عليها لقب “السلطة الرابعة” ليس من فراغ، بل لأنها شكلت قوة موازية للسلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية)، مهمتها الأساسية هي مساءلة أصحاب النفوذ والدفاع عن المصلحة العامة. من كشف فضيحة ووترغيت في الولايات المتحدة إلى تسليط الضوء على قضايا الفساد في مختلف أنحاء العالم، أثبت الإعلام مرارًا أنه خط الدفاع الأول عن الشفافية والعدالة. هذا الدور النبيل بُني على أسس من الاستقلالية والنزاهة، وهي المبادئ التي تتآكل عندما يصبح الربح هو المحرك الأوحد للمؤسسة الإعلامية.
أهمية القضية وتأثيرها المتوقع
عندما يتحول الإعلام إلى مقاولات، تصبح الأخبار مجرد منتج يتم تسويقه لمن يدفع أكثر. هذا التحول له تداعيات خطيرة على كافة المستويات:
- على المستوى المحلي: يؤدي إلى تراجع الصحافة الاستقصائية التي تتطلب وقتًا وجهدًا وتكلفة، ويحل محلها المحتوى السطحي والموجه الذي يخدم أجندات معينة، مما يضعف الوعي المجتمعي ويغيب الحقائق عن المواطن.
- على المستوى الإقليمي: في منطقة مليئة بالتعقيدات السياسية مثل الشرق الأوسط، يمكن للإعلام الموجه أن يؤجج الصراعات وينشر المعلومات المضللة ويخلق حالة من الاستقطاب الحاد بين الشعوب، بدلاً من أن يكون جسرًا للتفاهم والحوار.
- على المستوى الدولي: يفقد الإعلام مصداقيته على الساحة العالمية، وتصبح وسائله مجرد أبواق دعائية لا يُعتد بها كمصادر موثوقة للمعلومات، مما يضر بسمعة الدولة ويضعف من قوتها الناعمة.
تحديات العصر الرقمي ومنطق “المقاولات” الجديد
لقد فاقم العصر الرقمي من هذه الأزمة. فمع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، اشتدت المنافسة على “التريند” وجذب الانتباه بأي ثمن. أصبح منطق “المقاولات” يتمثل في حصد أكبر عدد من النقرات والمشاهدات والإعجابات، حتى لو كان ذلك على حساب دقة المعلومة وعمق التحليل. هذا السباق المحموم نحو المحتوى سريع الاستهلاك يهمش الأصوات الجادة ويشجع على نشر الشائعات والأخبار الزائفة، مما يضع على عاتق الجمهور مهمة شاقة للتمييز بين الحقيقة والكذب.
خاتمة: العودة إلى جوهر الرسالة
إن مقال تركي الدعجم ليس مجرد نقد، بل هو جرس إنذار يدعونا جميعًا، إعلاميين وقراء، إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالإعلام. يجب أن نتذكر دائمًا أن الإعلام رسالة ومسؤولية، وليس مجرد صفقة تجارية. إن استعادة ثقة الجمهور تتطلب التزامًا صارمًا بأخلاقيات المهنة، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وإدراك أن قوة الكلمة تكمن في صدقها، لا في سعرها.


