في أجواء إيمانية خاشعة بالمسجد الحرام، تناول إمام وخطيب المسجد الحرام، فضيلة الشيخ الدكتور ماهر بن حمد المعيقلي، في خطبة الجمعة موضوعاً عقدياً هاماً يلامس قلوب المؤمنين، وهو مفهوم "ولاية الله" لعباده، مؤكداً أن هذا المفهوم يعد ركيزة أساسية في تحقيق الطمأنينة والسكينة النفسية للمسلم في حياته الدنيا والآخرة.
شرف العلم بالله وأثره في النفس
واستهل فضيلته الخطبة بالتأكيد على قاعدة جليلة في فضل العلم، موضحاً أن شرف العلم يكتسب من شرف المعلوم؛ ولما كان الله سبحانه وتعالى هو أعظم معلوم، فإن العلم به وبأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم وأجلها قدراً. وأشار الدكتور المعيقلي إلى أن معرفة العبد بربه، الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، هي السبيل لزيادة الإيمان والخشية، مصداقاً لقوله تعالى: "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء".
وتطرق الخطيب إلى معاني أسماء الله الحسنى، وتحديداً اسمي "الولي" و"المولى"، مبيناً أن الله هو المتولي لأمور الخلائق جميعاً، بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو القادر على إحياء الموتى وعلى كل شيء قدير، مما يستوجب من العبد التوكل التام عليه.
أنواع ولاية الله: بين الشمولية والخصوصية
وفي تفصيل شرعي دقيق، أوضح الشيخ المعيقلي أن ولاية الله تنقسم إلى نوعين رئيسيين، مما يزيل اللبس في فهم كيفية تدبير الله لشؤون خلقه:
- الولاية العامة: وهي ولاية القهر والتدبير والسلطان، وتشمل جميع الخلق دون استثناء، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، بررة أو فجاراً. فالله سبحانه هو الذي يقدر أرزاقهم وآجالهم، وجميعهم خاضعون لمشيئته الكونية وقدرته.
- الولاية الخاصة: وهي ولاية المحبة، والتأييد، والنصرة، والتوفيق. وهذه منحة ربانية يختص الله بها عباده المؤمنين والصالحين. فالمؤمن الذي يجاهد نفسه ويلتمس هداية ربه، يدخل في دائرة هذه الولاية، فإذا زلّت قدمه وأذنب، عاد سريعاً إلى وليه ومولاه بالتوبة والاستغفار.
فضل الولاية الخاصة وثمارها
واستطرد إمام المسجد الحرام في بيان فضل الولاية الخاصة، مشيراً إلى الحديث القدسي العظيم الذي يصور مدى قرب الله من عباده المقبلين عليه: "من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً…"، موضحاً أن الله إذا تولى عبداً ولاية خاصة، اجتباه وهداه، ويسر له أسباب الخير، وحفظه من الفتن.
واختتم فضيلته الخطبة برسالة طمأنينة لعموم المسلمين، مؤكداً أن من كان الله وليه، فقد حاز الخير كله، واطمأن قلبه، ووثق بنصرة ربه في مواجهة تحديات الحياة، فالله نعم المولى ونعم النصير، وكفى به ولياً وكفى به نصيراً.
ويأتي طرح مثل هذه الموضوعات الإيمانية في منبر المسجد الحرام ليعزز الجانب الروحي لدى قاصدي البيت العتيق وللمسلمين في كافة أنحاء العالم الذين يتابعون خطب الحرمين الشريفين، مما يساهم في ترسيخ العقيدة الصحيحة والمفاهيم الإسلامية الوسطية.


