في تصعيد جديد للعلاقات التجارية عبر الأطلسي، يقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحركاً أوروبياً حازماً للرد على التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويعتزم ماكرون، خلال مشاورات مكثفة يجريها اليوم الأحد مع نظرائه الأوروبيين، المطالبة بتفعيل “آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه”، وهي أداة اقتصادية رادعة تم تصميمها خصيصاً لحماية المصالح الأوروبية من الضغوط الخارجية.
تفاصيل الرد الأوروبي المقترح
وفقاً لمصادر مقربة من الإليزيه، فإن التحرك الفرنسي يهدف إلى استباق تنفيذ التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية إضافية. وتعتبر “آلية مكافحة الإكراه” سلاحاً استراتيجياً في يد بروكسل، حيث يتطلب تفعيلها موافقة غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء. وفي حال إقرارها، ستسمح للاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات عقابية موجعة، أبرزها تجميد وصول الشركات الأمريكية إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية، ومنع استثمارات أمريكية محددة داخل القارة العجوز، مما يشكل ضربة قوية للمصالح التجارية الأمريكية في أوروبا.
خلفية الأزمة: غرينلاند والرسوم الجمركية
تعود جذور هذا التوتر الحالي إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم السبت، التي ربط فيها بين القضايا الجيوسياسية والاقتصادية بشكل مباشر. فقد هدد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول الأوروبية التي أرسلت قوات عسكرية إلى جزيرة غرينلاند، مشترطاً بيع الإقليم “بشكل كامل” للولايات المتحدة لتجنب هذه العقوبات. وحدد ترامب جدولاً زمنياً للتصعيد يبدأ برسوم إضافية بنسبة 10% اعتباراً من الأول من فبراير، مع احتمالية رفعها إلى 25% بحلول الأول من يونيو، مما يضع الاقتصاد الأوروبي تحت ضغط زمني حرج.
حراك دبلوماسي واسع
على الصعيد الدبلوماسي، انخرط وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو في حملة تنسيق واسعة لضمان وحدة الصف الأوروبي. وأفادت أوساط الوزير بأنه أجرى اتصالات مكثفة منذ السبت مع نظرائه في بريطانيا وألمانيا، بالإضافة إلى كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي. وتهدف هذه التحركات إلى صياغة رد جماعي يوصل رسالة واضحة لواشنطن بأن التهديدات التجارية “غير مقبولة” وتثير تساؤلات جدية حول مصداقية الاتفاقيات التجارية السابقة المبرمة بين الطرفين في يوليو الماضي.
الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية
يحمل هذا الصدام أبعاداً تتجاوز الخلاف الآني؛ فالعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تعد الأكبر والأكثر تعقيداً في العالم. وأي حرب تجارية مفتوحة بين الطرفين من شأنها أن تؤدي إلى اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية وارتفاع في الأسعار، مما يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلاً من تحديات التضخم والنمو البطيء. كما أن إصرار ترامب على قضية غرينلاند يعيد للأذهان محاولاته السابقة في ولايته الأولى لشراء الجزيرة، وهو ما قوبل حينها برفض قاطع من الدنمارك والاتحاد الأوروبي، مما يؤكد أن النزاع يمس جوهر السيادة الأوروبية بقدر ما يمس المصالح الاقتصادية.


