في حكم قضائي بارز يعكس جدية السلطات الكويتية في مكافحة الفساد المالي والإداري، أصدرت محكمة الجنايات في الكويت، يوم الإثنين، حكماً مشدداً بمعاقبة 19 متهماً بالسجن لمدة 10 سنوات، مع تغريمهم مبلغاً ضخماً يصل إلى 3 ملايين دينار كويتي، وذلك في القضية التي هزت الرأي العام والمعروفة إعلامياً بـ “قضية التلاعب في السحوبات التجارية”.
ووفقاً لتفاصيل الحكم التي أوردتها صحيفة “القبس” الكويتية، شملت الإدانات موظفاً عاماً بوزارة التجارة والصناعة، مما يضيف بعداً خطيراً للقضية المتعلقة باستغلال النفوذ الوظيفي. كما قضت المحكمة بالحبس لمدة 4 سنوات على 28 متهماً آخرين، بينما برأت 36 شخصاً أو امتنعت عن النطق بعقابهم في القضية التي شملت 73 متهماً بالإجمال.
السياق العام وجهود مكافحة الفساد
تأتي هذه القضية في سياق جهود أوسع تبذلها دولة الكويت لتعزيز الشفافية والنزاهة في كافة قطاعات الدولة، بما يتماشى مع رؤية “كويت جديدة 2035” التي تهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار. وتعتبر السحوبات التجارية والعروض الترويجية جزءاً لا يتجزأ من النشاط التجاري في الكويت، حيث تستخدمها الشركات والمؤسسات الكبرى لتحفيز المبيعات وجذب العملاء. إلا أن غياب الرقابة الصارمة قد يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية تضر بكل من المستهلكين والشركات الملتزمة.
تداعيات الحكم وأهميته
شددت المحكمة في حيثيات حكمها على خطورة الأفعال المرتكبة، خاصة من قبل المتهم الأول الذي شغل منصب رئيس قسم العروض المجانية بوزارة التجارة. وأوضحت أن استغلاله لمنصبه لتحقيق مكاسب شخصية “يضرب مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص”. وأكدت المحكمة أن هذا النوع من الجرائم المنظمة، كما وصفتها النيابة العامة، لا يقتصر أثره على الإضرار بحقوق المشاركين في السحوبات، بل يمتد ليقوض الثقة العامة في التعاملات التجارية والوثائق الرسمية، ويفقد هذه الفعاليات مصداقيتها.
التأثير المحلي والدولي
على الصعيد المحلي، يمثل هذا الحكم رسالة ردع قوية لكل من تسول له نفسه استغلال وظيفته أو التحايل على القوانين لتحقيق كسب غير مشروع. ومن المتوقع أن يعزز الحكم ثقة المستهلكين في السوق الكويتي، ويشجع على بيئة تنافسية عادلة بين الشركات. أما على الصعيد الدولي، فإن الأحكام القضائية الصارمة ضد جرائم الفساد المالي تساهم في تحسين سمعة الكويت المالية وتعزيز مكانتها في المؤشرات الدولية المعنية بالشفافية ومكافحة الفساد، وهو أمر حيوي لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والحفاظ على استقرار البيئة الاقتصادية.
وكانت النيابة العامة قد أكدت خلال مرافعاتها أن ما جرى لم يكن مجرد خطأ فردي، بل “جريمة منظمة” نفذتها شبكة استغلت مواطن الضعف في النظام الرقابي لتحقيق أهدافها، مما استدعى تحركاً قضائياً حاسماً لحماية الاقتصاد الوطني والمصلحة العامة.


