في تطور لافت قد يعيد رسم الخارطة الدبلوماسية في القارة العجوز، رحب الكرملين، يوم الجمعة، بالمؤشرات الصادرة عن عدد من العواصم الأوروبية الرئيسية، وعلى رأسها روما وباريس وبرلين، والتي أبدت استعداداً لاستئناف قنوات الحوار المقطوعة مع موسكو. وقد وصف المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، هذه التحركات بأنها "تطور إيجابي"، مشيراً إلى أنها قد تعكس عودة للرؤية الاستراتيجية الأوروبية التي ترى في الحوار ضرورة لضمان الاستقرار.
ترحيب روسي وانقسام في المعسكر الغربي
أكد بيسكوف في تصريحات للصحفيين أن موسكو أخذت علماً بالتصريحات الأخيرة لقادة أوروبيين، قائلاً: "إذا كان هذا يعكس حقاً الرؤية الاستراتيجية للأوروبيين، فهو تطور إيجابي في موقفهم". وأضاف أن الأصوات الصادرة من باريس وروما وبرلين، التي تدعو للحديث مع الروس لضمان الأمن الأوروبي، تتوافق تماماً مع رؤية موسكو.
في المقابل، برز انقسام واضح في المواقف الغربية، حيث انتقد الكرملين بشدة الموقف البريطاني، واصفاً إياه بـ"الهدّام". ولا تزال لندن متمسكة بنهج متشدد، حيث أكد متحدث باسم "داونينغ ستريت" أن رئيس الوزراء كير ستامر لا ينوي التواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مشدداً على أن الأولوية تكمن في دعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً لبلوغ "سلام عادل" من موقع قوة، معتبراً أن موسكو لم تظهر أي نية حقيقية لإنهاء العمليات العسكرية.
خلفية تاريخية: من الشراكة إلى القطيعة
تكتسب هذه التصريحات أهميتها من السياق التاريخي المعقد الذي مرت به العلاقات الروسية الأوروبية خلال السنوات الثلاث الماضية. فمنذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في فبراير 2022، شهدت العلاقات تدهوراً غير مسبوق وصل إلى أدنى مستوياته منذ الحرب الباردة. فرض الاتحاد الأوروبي حزماً متتالية من العقوبات الاقتصادية القاسية، وتم طرد مئات الدبلوماسيين، وتجميد مشاريع الطاقة الاستراتيجية.
طوال هذه الفترة، تبنت أوروبا سياسة العزل الدبلوماسي الكامل لموسكو، معتبرة أن أي حوار لا يسبقه انسحاب روسي هو بمثابة مكافأة للكرملين. لذا، فإن الحديث الحالي عن "استئناف الحوار" يمثل تحولاً نوعياً في الخطاب السياسي الأوروبي، قد يشير إلى قناعة متزايدة لدى بعض القادة بأن الحلول العسكرية وحدها لم تعد كافية لإنهاء الصراع أو ضمان أمن القارة.
أصوات أوروبية تنادي بالواقعية السياسية
تأتي هذه التطورات في ظل تصريحات متتالية لقادة أوروبيين بارزين؛ فقد دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني مؤخراً إلى تعيين مبعوث خاص وتحدثت عن ضرورة الحوار. كما أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى فائدة التحدث مجدداً مع بوتين في إطار حوار شامل، بينما رأى المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن إيجاد توازن طويل الأمد مع روسيا ضروري لمستقبل الاتحاد الأوروبي.
التأثيرات المتوقعة لعودة الحوار
يحمل هذا التحول المحتمل في طياته تأثيرات استراتيجية واسعة النطاق:
- على الصعيد الإقليمي: قد يمهد استئناف الحوار الطريق لمفاوضات وقف إطلاق النار، مما يخفف من حدة الاستنزاف العسكري والاقتصادي الذي تعاني منه القارة.
- على الصعيد الدولي: قد يؤدي هذا التقارب إلى تخفيف حدة الاستقطاب العالمي، لكنه في الوقت نفسه قد يثير حفيظة حلفاء آخرين مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ودول البلطيق التي تتبنى موقفاً أكثر تشدداً.
- أمن الطاقة والاقتصاد: يرى مراقبون أن الضغوط الاقتصادية وأزمة الطاقة التي عانت منها أوروبا كانت دافعاً رئيسياً لإعادة التفكير في جدوى القطيعة التامة مع الجار الشرقي الكبير.


