في إنجاز طبي لافت يعكس التطور المتقدم للقطاع الصحي في المملكة العربية السعودية، تمكن قسم أشعة الأعصاب التداخلية في مدينة الملك عبدالله الطبية بمكة المكرمة، عضو تجمع مكة المكرمة الصحي، من إنقاذ حياة 260 مريضاً خلال العام المنصرم، كانوا يواجهون خطر الموت أو الشلل الدائم بسبب حالات دماغية حرجة. وشملت هذه الرعاية الطبية الفائقة المواطنين والمقيمين، بالإضافة إلى حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين، مما يؤكد على الجاهزية العالية للمدينة في خدمة ضيوف الرحمن.
خلفية وتطور طب الأعصاب التداخلي
يُعد طب الأعصاب التداخلي من التخصصات الطبية الحديثة التي أحدثت ثورة في علاج أمراض الأوعية الدموية الدماغية. تاريخياً، كانت هذه الحالات تتطلب جراحات معقدة وخطيرة لفتح الجمجمة، وغالباً ما كانت مصحوبة بمخاطر عالية ومعدلات نجاح متفاوتة. ومع تطور تقنيات القسطرة الدقيقة، أصبح من الممكن الوصول إلى أدق الشرايين في الدماغ عبر شق صغير في الفخذ أو الذراع، واستخدام أدوات متناهية الصغر لإزالة الجلطات أو إغلاق مناطق النزيف، وهو ما يقلل من المخاطر ويسرّع من فترة التعافي بشكل كبير. وقد استثمرت المملكة ضمن رؤية 2030 في استقطاب هذه التقنيات وتوطينها، وتأسيس مراكز متخصصة مثل قسم الأشعة التداخلية بمدينة الملك عبدالله الطبية الذي تأسس عام 2015 ليصبح اليوم مركزاً مرجعياً في المنطقة.
تفاصيل الإنجاز الطبي وتأثيره
أوضحت المدينة الطبية أن فرقها الطبية المتخصصة تعاملت باحترافية مع 140 حالة جلطة دماغية حادة، حيث تم إجراء عمليات قسطرة دماغية طارئة لسحب الخثرات الدموية وإعادة التروية إلى المناطق المتضررة من الدماغ. هذا التدخل السريع، الذي يتم في سباق مع الزمن، يمثل الفارق بين الشفاء التام والإصابة بإعاقة دائمة. بالإضافة إلى ذلك، نجح الفريق في السيطرة على 120 حالة نزيف دماغي خطير، نتجت عن تشوهات وعائية أو تمددات في الشرايين الدماغية. وتطلبت هذه الحالات مهارة فائقة لإغلاق مصدر النزيف باستخدام مواد صمغية أو لوالب دقيقة دون المساس بالأنسجة السليمة المحيطة.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير الدولي
تكمن أهمية هذا الإنجاز في بعده المحلي والإقليمي والدولي. على الصعيد المحلي، يساهم في رفع جودة الحياة وخفض معدلات الوفيات والإعاقة الناتجة عن السكتات الدماغية، والتي تعد من أبرز مسبباتها عالمياً. أما على الصعيد الدولي، فإن وجود مركز بهذه القدرات في مكة المكرمة يبعث برسالة طمأنينة لملايين المسلمين الذين يفدون إلى المدينة المقدسة كل عام، مؤكداً على توفر رعاية صحية عالمية المستوى في حال تعرضهم لأي طارئ صحي. ويعزز هذا النجاح من مكانة المملكة كوجهة رائدة ليس فقط دينياً وسياحياً، بل وأيضاً في مجال الرعاية الصحية المتقدمة، محققةً بذلك أحد أهم مستهدفات رؤية 2030 في بناء قطاع صحي قوي ومستدام.
ويقف خلف هذا النجاح فريق طبي متكامل يضم استشاريين في طب وجراحة الأعصاب، والتخدير العصبي، والعناية المركزة، يعملون بتناغم على مدار الساعة ضمن مسار علاجي واضح يُعرف بـ “إنقاذ الحياة”، مدعومين ببنية تحتية متطورة ومعامل قسطرة عصبية هي الأحدث من نوعها، مما يضمن تقديم أفضل النتائج الممكنة للمرضى.


