في خطوة تاريخية تعكس التطور المتسارع للقطاع الصحي في المملكة، انطلقت في رحاب جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية بجدة، فعاليات “أولمبياد التمريض” في نسخته الخامسة لعام 2024. ويشكل هذا الحدث علامة فارقة، حيث يقام لأول مرة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، مستقطباً 21 كلية تمريض من مختلف جامعات المملكة ودول الخليج، في تظاهرة علمية تهدف إلى ربط المعرفة الأكاديمية النظرية بالمحاكاة السريرية المتقدمة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة.
خلفية تاريخية وتوافق مع رؤية 2030
يأتي تنظيم هذا الأولمبياد في سياق التحول الشامل الذي يشهده قطاع الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية. فمع إطلاق رؤية 2030، أصبح تطوير الكوادر البشرية الوطنية وتوطين المهن الصحية، وعلى رأسها مهنة التمريض، أولوية استراتيجية. ولم يعد يُنظر إلى التمريض كمهنة مساعدة، بل كركيزة أساسية في المنظومة الصحية الحديثة تتطلب مهارات عالية وتفكيراً نقدياً وقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة. وقد بدأ الأولمبياد كفعالية محلية، حيث أشارت الدكتورة إيمان باجمال، العميدة المشاركة للشؤون الأكاديمية، إلى أن انطلاقته كانت بثلاث جامعات فقط، ثم توسع ليشمل 19 جامعة سعودية في العام الماضي، وصولاً إلى قفزته الإقليمية الكبرى هذا العام.
أهمية إقليمية وتأثير متوقع
تكتسب النسخة الحالية من الأولمبياد أهمية استثنائية بانتقالها من النطاق المحلي إلى الإقليمي، حيث استضافت الجامعة فرقاً طلابية من جامعة الكويت، وجامعة الشارقة، وجامعة الخليج العربي بالبحرين. هذا التوسع لا يعزز فقط التعاون الأكاديمي، بل يفتح آفاقاً لتوحيد معايير التعليم التمريضي في منطقة الخليج وتبادل أفضل الممارسات. ومن المتوقع أن يسهم هذا التقارب في بناء شبكة مهنية وبحثية خليجية متكاملة، مما يرفع من مستوى الخدمات الصحية المقدمة لمواطني دول المجلس، ويعزز من قدرة المنطقة على مواجهة التحديات الصحية المشتركة بكفاءة أعلى.
منصة متكاملة لتطوير المهارات السريرية
تتجاوز فعاليات الأولمبياد فكرة المسابقات التقليدية لتكون منصة تعليمية وتدريبية متكاملة. تتضمن المنافسات محطات محاكاة سريرية متطورة تحاكي سيناريوهات واقعية قد يواجهها الممرضون والممرضات في بيئة العمل، مثل تقديم الرعاية المتقدمة للجروح، وإدارة الأدوية بدقة، والتعامل مع الحالات الطارئة. بالإضافة إلى ذلك، تشمل المسابقة اختبارات متعددة الخيارات تقيس المعرفة النظرية، وأقساماً مخصصة للتفكير النقدي والابتكار، حيث يُطلب من الطلاب تقديم حلول إبداعية لمشكلات صحية معقدة، مما يصقل مهاراتهم التحليلية ويجهزهم لسوق العمل. وأكدت الدكتورة هند النجار، عميد كلية التمريض، أن الفعالية تسعى لتعزيز العمل الجماعي لضمان جاهزية الخريجين لمواجهة تحديات المهنة.
طموحات مستقبلية ورؤية عربية شاملة
لا تتوقف طموحات القائمين على الأولمبياد عند هذا الإنجاز الخليجي. فقد كشفت عميدة الكلية عن تطلعات مستقبلية لتوسيع دائرة المشاركة في النسخ القادمة لتشمل كافة الدول العربية. إن تحقيق هذا الهدف سيجعل من المملكة العربية السعودية مركزاً إقليمياً رائداً في تعليم وتطوير مهنة التمريض، ومنصة لتبادل الخبرات على نطاق أوسع، مما يخدم المنظومات الصحية العربية بأكملها ويرفع من جودة الرعاية المقدمة في المنطقة.


