في تحول استراتيجي بملف الطاقة العالمي، تستعد اليابان لطي صفحة واحدة من أكثر فتراتها تعقيداً، حيث تتجه الأنظار اليوم إلى محافظة نيجاتا، التي أعطت الضوء الأخضر لشركة طوكيو للطاقة الكهربائية (تيبكو) لإعادة تشغيل محطة "كاشيوازاكي-كاريوا"، المصنفة كأكبر محطة للطاقة النووية في العالم من حيث القدرة الإنتاجية.
عودة العملاق النووي للعمل
بعد توقف دام لسنوات طويلة، صادقت السلطات المحلية في نيجاتا على قرار إعادة تشغيل أول مفاعل من أصل سبعة مفاعلات تضمها المحطة العملاقة، في موعد مقرر بحلول 20 يناير المقبل. وتقع هذه المنشأة الاستراتيجية على بعد حوالي 220 كيلومتراً شمال غرب العاصمة طوكيو، وتعد عودتها للخدمة بمثابة حجر الزاوية في خطة اليابان لتعزيز أمنها الطاقي.
وتعتبر هذه المحطة هي الرابعة عشرة التي يتم إعادة تشغيلها من إجمالي 33 مفاعلاً نووياً قابلاً للتشغيل في البلاد، وذلك بعد الإغلاق الشامل الذي طال 54 مفاعلاً في أعقاب كارثة 2011. وتأتي هذه الخطوة وسط تحديات اقتصادية عالمية، حيث تسعى طوكيو لتقليل اعتمادها المفرط على الوقود الأحفوري المستورد (الغاز الطبيعي والفحم)، الذي أرهق الميزان التجاري الياباني وتسبب في ارتفاع أسعار الكهرباء.
شبح فوكوشيما وتحديات السلامة
لا تزال ذكرى 11 مارس 2011 حاضرة بقوة في الوجدان الياباني، حين ضرب زلزال مدمر بقوة 9 درجات على مقياس ريختر السواحل الشرقية، متسبباً في موجات تسونامي عاتية وصل ارتفاعها إلى 10 أمتار. أدت تلك الكارثة المزدوجة إلى انصهار مفاعلات محطة "فوكوشيما دايتشي"، مخلفة وراءها دماراً بيئياً وخسائر بشرية تجاوزت 20 ألف قتيل ومفقود، في حادثة صُنفت الأسوأ منذ كارثة تشيرنوبل.
ولضمان عدم تكرار السيناريو المأساوي، فرضت هيئة التنظيم النووي اليابانية معايير سلامة تُعد الأكثر صرامة على مستوى العالم، تشمل تعزيزات ضد الزلازل والتسونامي والهجمات الإرهابية المحتملة. وقد خضعت محطة كاشيوازاكي-كاريوا لعمليات تدقيق مكثفة قبل السماح لها بالعودة للعمل.
الجهود المستمرة لإزالة الآثار الإشعاعية
بالتوازي مع خطط التشغيل الجديدة، تواصل اليابان جهودها المضنية لتفكيك محطة فوكوشيما المنكوبة. ففي أغسطس الماضي، وبحسب تقارير وكالة الأنباء الفرنسية، تم إرسال روبوتات متطورة يمكن التحكم بها عن بُعد إلى داخل المفاعلات المتضررة. تهدف هذه العملية الدقيقة إلى استكشاف وإزالة بقايا الوقود النووي المنصهر والحطام المشع، وهي مهمة تقنية بالغة التعقيد نظراً لمستويات الإشعاع المرتفعة التي تحول دون التدخل البشري المباشر.
الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية
يحمل قرار العودة للطاقة النووية أبعاداً تتجاوز الحدود المحلية؛ إذ يُنظر إليه كجزء من التزام اليابان بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050. كما يعكس توجهاً عالمياً متجدداً نحو الطاقة النووية كمصدر طاقة "نظيف" ومستقر، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تهدد إمدادات النفط والغاز العالمية. وتأمل الحكومة اليابانية أن يسهم تشغيل المحطة الأكبر عالمياً في استقرار شبكة الكهرباء الوطنية وخفض التكاليف على المستهلكين والمصانع.


