في خطوة تمثل تحولاً جذرياً في سياسة الطاقة اليابانية، وافقت محافظة نيغاتا رسمياً، اليوم الاثنين، على إعادة تشغيل محطة "كاشيوازاكي-كاريوا" للطاقة النووية، التي تُصنف كأكبر محطة نووية في العالم من حيث القدرة الإنتاجية. يأتي هذا القرار بعد توقف دام نحو 15 عاماً، فرضته تداعيات كارثة فوكوشيما دايتشي، ليعلن بذلك بدء مرحلة جديدة تسعى فيها طوكيو لاستعادة دور الطاقة النووية في مزيجها الطاقي.
عودة العملاق النووي للعمل
تعد محطة "كاشيوازاكي-كاريوا"، التي تديرها شركة طوكيو للطاقة الكهربائية (تيبكو)، ركيزة أساسية في البنية التحتية للطاقة في اليابان. تقع المحطة على بعد حوالي 220 كيلومتراً (136 ميلاً) شمال غرب العاصمة طوكيو، وتبلغ قدرتها الإنتاجية الهائلة حوالي 8.2 جيجاوات، مما يجعلها الأضخم عالمياً. كانت المحطة واحدة من بين 54 مفاعلاً تم إغلاقها تدريجياً في أعقاب الزلزال المدمر والتسونامي الذي ضرب البلاد في عام 2011، والذي أدى إلى انصهار نووي في محطة فوكوشيما، مسجلاً أسوأ كارثة نووية منذ حادثة تشيرنوبيل عام 1986.
السياق التاريخي والتحول الاستراتيجي
لفهم أهمية هذا القرار، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية المعقدة؛ فبعد كارثة 2011، دخلت اليابان في حالة من الجمود النووي، حيث توقفت جميع المفاعلات عن العمل لإجراء مراجعات سلامة صارمة. ومع ذلك، فإن الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف استيراد الوقود الأحفوري، خاصة الغاز الطبيعي المسال والفحم، دفعت الحكومة اليابانية بقيادة رئيس الوزراء فوميو كيشيدا إلى إعادة تقييم موقفها. يهدف هذا التحول إلى تحقيق هدفين رئيسيين: ضمان أمن الطاقة القومي وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية، بالإضافة إلى الوفاء بالتزامات اليابان المناخية للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050.
تحديات مستمرة في فوكوشيما
وبينما تتجه الأنظار نحو إعادة تشغيل "كاشيوازاكي-كاريوا"، لا تزال جهود احتواء آثار الماضي مستمرة. ففي أغسطس الماضي، شهدت محطة فوكوشيما المنكوبة تطوراً تقنياً هاماً، حيث أرسل فنيون روبوتات متطورة يمكن التحكم بها عن بُعد إلى داخل أحد المفاعلات المتضررة. تأتي هذه الخطوة في إطار الاستعدادات المعقدة لإزالة البقايا الإشعاعية والوقود المنصهر، وهي عملية دقيقة للغاية نظراً لمستويات الإشعاع المرتفعة التي تشكل خطراً على البشر. وتُعتبر عملية إزالة الحطام النووي من أصعب التحديات الهندسية والبيئية التي تواجهها اليابان، ومن المتوقع أن تستغرق عقوداً لإتمامها بشكل كامل.
إن إعادة تشغيل أكبر محطة في العالم لا يعني فقط تعزيز الشبكة الكهربائية لشرق اليابان، بل يرسل إشارة قوية للأسواق العالمية حول عودة الثقة في الطاقة النووية كخيار استراتيجي للدول الصناعية الكبرى.


