في خطوة تصعيدية جديدة ضمن سلسلة المواجهات القانونية بين الجهات التنظيمية الأوروبية وعمالقة التكنولوجيا، أعلنت هيئة المنافسة الإيطالية، اليوم الاثنين، عن فرض غرامة مالية تجاوزت 115.69 مليون دولار على شركة "آبل" الأمريكية. ويأتي هذا القرار استناداً إلى اتهامات صريحة للشركة بإساءة استخدام مركزها المهيمن في سوق التطبيقات، وهو ما يفتح الباب مجدداً للنقاش حول سياسات المتاجر الرقمية وتأثيرها على المنافسة العادلة.
تفاصيل القرار والانتهاكات المرصودة
أوضحت الهيئة الإيطالية في حيثيات قرارها أن شركة آبل قامت بانتهاك قواعد المنافسة بشكل مباشر، مستغلة موقعها المسيطر في سوق توزيع التطبيقات عبر نظام التشغيل iOS. وتركزت الاتهامات بشكل أساسي على السياسات التي تفرضها الشركة على مطوري التطبيقات، حيث أشارت الهيئة إلى أن آبل فرضت شروطاً تقييدية صارمة تتعلق بحماية الخصوصية، ولكنها استخدمت هذه الشروط كأداة لتقييد المنافسين بدلاً من حماية المستخدمين فقط.
وخلصت التحقيقات إلى أن هذه الشروط فُرضت "من جانب واحد"، مما ألحق ضرراً بمصالح الشركاء التجاريين لآبل، واعتبرت الهيئة أن هذه الإجراءات غير متناسبة مع الهدف المعلن وهو حماية الخصوصية، بل تصب في مصلحة تعزيز احتكار آبل للبيانات والسوق.
رد شركة آبل وموقفها القانوني
من جانبها، سارعت شركة آبل إلى رفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً. وفي بيان رسمي، أعربت الشركة عن معارضتها الشديدة لقرار هيئة المنافسة الإيطالية، مؤكدة عزمها تقديم استئناف ضد الحكم. وتتمسك آبل بدفاعها القائم على أن قواعد الخصوصية التي تطبقها تسري بالتساوي على جميع المطورين، بما في ذلك تطبيقات آبل نفسها، مشيرة إلى أن هذه السياسات نالت استحسان هيئات حماية البيانات والمدافعين عن الخصوصية حول العالم، وأن هدفها الأول هو حماية بيانات المستخدمين وليس إقصاء المنافسين.
السياق العام: أوروبا في مواجهة العمالقة
لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع؛ حيث تقود دول الاتحاد الأوروبي حملة تنظيمية شرسة ضد شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) مثل آبل، جوجل، وأمازون. وتسعى الجهات التنظيمية في أوروبا إلى كبح جماح ما تصفه بـ "حراس البوابة" الرقميين، لضمان عدم استغلال هذه الشركات لمنصاتها الخاصة في تفضيل خدماتها على حساب المنافسين الصغار.
ويُعد هذا القرار الإيطالي حلقة في سلسلة من الغرامات والتشريعات، مثل قانون الأسواق الرقمية (DMA) الأوروبي، الذي يهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي ليكون أكثر عدالة. وتكمن أهمية هذا الحدث في كونه سابقة قضائية قد تستند إليها هيئات منافسة أخرى داخل وخارج أوروبا، مما قد يجبر آبل مستقبلاً على تعديل نموذج عمل متجر تطبيقاتها بشكل جذري.
التأثيرات المتوقعة على السوق
على الرغم من أن مبلغ الغرامة (115 مليون دولار) قد يبدو ضئيلاً مقارنة بالإيرادات السنوية لشركة آبل، إلا أن التأثير الحقيقي يكمن في الضغط التنظيمي والسمعة التجارية. فاستمرار هذه الأحكام قد يؤدي إلى تغييرات هيكلية في كيفية إدارة آبل لبيانات المستخدمين وعلاقتها بالمطورين، مما قد يفتح المجال لظهور منافسين جدد أو يمنح المطورين حرية أكبر في التعامل مع بيانات عملائهم بعيداً عن قيود "الحديقة المسورة" التي تفرضها آبل.

