في الوقت الذي تكافح فيه فرق الإطفاء لاحتواء الحرائق المستعرة التي تلتهم آلاف الأفدنة في منطقة باتاغونيا الممتدة بين تشيلي والأرجنتين، طفت على السطح أزمة جديدة ذات أبعاد قانونية وسياسية، تتمثل في توجيه أصابع الاتهام لسياح إسرائيليين بالتورط في إشعال هذه النيران، سواء عن طريق الإهمال أو التعمد، مما أعاد للأذهان حوادث سابقة مشابهة أثارت توترات دبلوماسية وشعبية في المنطقة.
اعتقال في تشيلي وتهم جنائية
أفادت تقارير إعلامية تشيلية، بما في ذلك شبكة "سي إن إن تشيلي"، بأنه في الخامس عشر من يناير الجاري، ألقت السلطات القبض على سائح إسرائيلي داخل منتزه "توريس ديل باين" الوطني الشهير في منطقة ماجالانيس. وجاء الاعتقال بعد رصد السائح وهو يستخدم موقداً للنار في منطقة "مخيم ديكسون"، وهي منطقة يُحظر فيها استخدام أي مصادر حرارية نظراً لحساسيتها البيئية الشديدة وخطورة اندلاع الحرائق فيها.
وبحسب المعلومات الواردة من "راديو بيوبيو"، فقد تم تحويل المتهم إلى النيابة العامة ومثوله أمام محكمة الضمان في مدينة بويرتو ناتاليس. وقد وجهت إليه المحكمة رسمياً تهمة انتهاك قانون الغابات واستخدام مصادر التدفئة في مناطق محمية غير مصرح بها. وكإجراء احترازي، فرضت السلطات القضائية قيوداً على حركة السائح، شملت منعه من السفر خارج الإقليم وإلزامه بالتسجيل الأسبوعي لدى الشرطة لضمان عدم مغادرته البلاد قبل انتهاء التحقيقات.
غضب سياسي وشعبي في الأرجنتين
على الجانب الآخر من الحدود، وتحديداً في الأرجنتين، اتخذت القضية منحى أكثر حدة، حيث تحولت الشبهات إلى اتهامات علنية من قبل شخصيات بارزة. فقد شن رئيس أركان الجيش الأرجنتيني السابق، سيزار ميلاني، هجوماً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متهماً سياحاً إسرائيليين بتعمد إشعال سلسلة الحرائق التي تجتاح جنوب البلاد في إقليم باتاغونيا.
وفي سياق متصل، نشر المسؤول الحكومي السابق لويس ديليا مقطع فيديو يظهر فيه أحد السكان المحليين وهو يدعي محاولته منع مجموعة من المواطنين الإسرائيليين من إشعال النيران في منطقة حرجية شاسعة، مما زاد من حدة الاحتقان الشعبي ضد السائحين في تلك المناطق المنكوبة.
خلفية تاريخية: شبح حريق 2011
لا يمكن فصل ردود الفعل الحالية الغاضبة في تشيلي والأرجنتين عن الذاكرة التاريخية المؤلمة لسكان المنطقة. ففي عام 2011، تسبب سائح إسرائيلي يُدعى روتيم سينجر في واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في تاريخ منتزه "توريس ديل باين"، عندما تسبب إهماله في حرق أكثر من 17 ألف هكتار من الغابات البكر، مما أدى إلى تدمير مساحات واسعة من التنوع البيولوجي الذي يحتاج لعقود للتعافي.
تلك الحادثة السابقة رسخت حالة من الحساسية المفرطة لدى السلطات والسكان المحليين تجاه أي تجاوزات بيئية يقوم بها السياح، وخاصة القادمين من إسرائيل، حيث تُعتبر منطقة باتاغونيا وجهة مفضلة للرحالة الإسرائيليين بعد إنهاء خدمتهم العسكرية.
الأهمية البيئية وتداعيات الحدث
تكتسب هذه الحرائق خطورتها من الأهمية الاستراتيجية والبيئية لمنطقة باتاغونيا، التي تُعد رئة خضراء للعالم وموطناً لأنواع نادرة من النباتات والحيوانات. وتؤدي هذه الحرائق، سواء كانت مفتعلة أو ناتجة عن الإهمال، إلى خسائر اقتصادية فادحة بقطاع السياحة الذي تعتمد عليه المجتمعات المحلية، فضلاً عن التكلفة الباهظة لعمليات الإطفاء وإعادة التشجير.


