تتجه أنظار الملايين من عشاق الساحرة المستديرة نحو المكسيك، حيث يقف المنتخب الوطني العراقي على أعتاب كتابة تاريخ جديد. إن تأهل العراق لكأس العالم 2026 لم يعد مجرد أمنية، بل بات يفصل “أسود الرافدين” عنه خطوة واحدة فقط تتمثل في تجاوز عقبة منتخب بوليفيا في مباراة الملحق العالمي الحاسمة المقررة يوم الثلاثاء في مدينة مونتيري المكسيكية. تأتي هذه المواجهة بعد سلسلة من التحديات الاستثنائية التي واجهت البعثة العراقية، ليصبح هذا اللقاء بمثابة حلم كل طفل عراقي يتوق لرؤية علم بلاده يرفرف في أكبر محفل كروي عالمي.
عبق التاريخ: من مكسيكو 1986 إلى مونتيري 2026
يحمل اللعب في المكسيك طابعاً عاطفياً وتاريخياً خاصاً لكرة القدم العراقية. ففي عام 1986، سجل العراق حضوره الأول والوحيد حتى الآن في نهائيات كأس العالم التي أقيمت آنذاك في المكسيك أيضاً. تلك المشاركة التاريخية التي شهدت تسجيل الأسطورة الراحل أحمد راضي للهدف العراقي المونديالي الوحيد في شباك بلجيكا، لا تزال محفورة في ذاكرة الأجيال. واليوم، بعد مرور أربعة عقود من المحاولات المستمرة التي تخللها التتويج التاريخي بكأس آسيا 2007، يعود العراقيون إلى ذات الأرض اللاتينية، محملين بآمال استعادة أمجاد الماضي وإثبات جدارة الكرة العراقية على الساحة الدولية.
تحديات قاهرة في طريق تأهل العراق لكأس العالم
لم تكن رحلة الوصول إلى هذه النقطة الحاسمة مفروشة بالورود. فقد تسببت التوترات الجيوسياسية والنزاعات الدائرة في الشرق الأوسط، وتحديداً منذ أواخر فبراير الماضي، في إغلاق المجالات الجوية لعدة دول. هذا الوضع المعقد أدى إلى إلغاء المعسكر التدريبي الذي كان مقرراً في مدينة هيوستن الأمريكية، فضلاً عن تعقيدات في استخراج تأشيرات الدخول لأغلب أعضاء الوفد الرسمي. ولتجاوز هذه الأزمة، خاض الفريق رحلة برية شاقة إلى الأردن، قبل أن يتدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لتأمين طائرة خاصة نقلت البعثة مباشرة إلى مونتيري المكسيكية. ورغم وصول الفريق متأخراً وحصوله على يومين فقط للاستشفاء، إلا أن الروح المعنوية تبدو في أعلى مستوياتها.
تأثير الإنجاز المنتظر: فرحة وطن ورقم عربي قياسي
لا تقتصر أهمية هذا الحدث على الجانب الرياضي البحت، بل تتعداه لتشكل نقطة تحول اجتماعية ونفسية كبرى. محلياً، يمثل هذا الإنجاز فرصة نادرة لتوحيد أكثر من 46 مليون عراقي خلف راية واحدة، متناسين كل الصعاب. أما على الصعيد الإقليمي، فإن فوز العراق سيشكل علامة فارقة للكرة العربية؛ إذ سيرتفع عدد المنتخبات العربية المشاركة في النسخة القادمة التي تضم 48 منتخباً إلى ثمانية فرق (إلى جانب قطر، المغرب، تونس، مصر، السعودية، الجزائر، والأردن)، وهو رقم قياسي يعكس تطور اللعبة في المنطقة العربية. دولياً، سيكمل الفائز عقد المجموعة السابعة القوية التي تضم منتخبات فرنسا، السنغال، والنرويج.
الرؤية الفنية: أسلحة أرنولد في مواجهة طموح بوليفيا
يعول المدير الفني الأسترالي غراهام أرنولد، الذي تولى المهمة في أبريل 2025 خلفاً للإسباني خيسوس كاساس، على ترسانة هجومية مميزة تضم أيمن حسين (هداف التصفيات بثمانية أهداف)، ومهند علي “ميمي”، وعلي جاسم، وعلي الحمادي. ورغم غياب القائد وحارس المرمى جلال حسن لعدم الجاهزية، أكد أرنولد أن فريقه لن يلعب بتحفظ أو لمجرد تفادي الخسارة. من جانبه، أشار النجم الدولي السابق كريم علاوي، أحد أبطال جيل 1986، إلى أن التفوق البدني والبنياني يصب في صالح لاعبي العراق، متوقعاً أن تلعب القدرات الهجومية دوراً حاسماً، خاصة بعد استنزاف لاعبي بوليفيا بدنياً في مباراتهم السابقة أمام سورينام.
طموحات متبادلة وإصرار على الفوز
على الجانب الآخر، يسعى منتخب بوليفيا لإنهاء غياب دام 32 عاماً عن المونديال. ويعتمد الفريق اللاتيني على مواهب شابة مثل ميغيل تيرسيروس ومويسيس بانياغوا. تاريخياً، لم يحقق العراق أي فوز على منتخبات أمريكا الجنوبية في ثماني مواجهات سابقة، لكن اللاعبين مصممون على كسر هذه العقدة. وكما صرح المدافع ميرخاس دوسكي، فإن قوة الفريق تكمن في روح العائلة الواحدة، وهو ما أكده زميله بأن الوصول لكأس العالم هو المسرح الأكبر الذي يحلم به كل طفل لعب الكرة في الشوارع.


