في تصعيد جديد للحرب الكلامية بين طهران وواشنطن، رفضت وزارة الخارجية الإيرانية بشدة الاتهامات الأمريكية المتعلقة ببرنامجها الصاروخي، ووصفتها بأنها “أكاذيب كبرى” لا أساس لها من الصحة. جاء هذا الرد الحازم بعد ساعات قليلة من خطاب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اتهم فيه إيران بالسعي لتطوير صواريخ باليستية قادرة على تهديد الأراضي الأمريكية بشكل مباشر.
وأوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في منشور له، أن الادعاءات الأمريكية حول البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وحتى أعداد ضحايا الاحتجاجات الداخلية، ليست سوى “تكرار لأكاذيب كبرى” تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي وممارسة المزيد من الضغط على طهران. وكان الرئيس ترامب قد صرح في خطابه السنوي عن “حالة الاتحاد” أمام الكونغرس أن إيران “تسعى مجدداً لتحقيق طموحاتها النووية الشريرة” وتطوير صواريخ بعيدة المدى، مؤكداً أن إدارته لن تسمح أبداً لإيران بامتلاك سلاح نووي.
سياق تاريخي من التوتر والاتفاق النووي
تعود جذور هذا التوتر إلى عقود طويلة، لكنها تفاقمت بشكل ملحوظ بعد قرار إدارة ترامب في عام 2018 بالانسحاب من جانب واحد من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بـ”الاتفاق النووي الإيراني”. هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه عام 2015 بين إيران ومجموعة (5+1)، كان يهدف إلى تقييد أنشطة إيران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. الانسحاب الأمريكي وإعادة فرض عقوبات قاسية ضمن سياسة “الضغط الأقصى” أدى إلى انهيار الاتفاق تدريجياً ودفع إيران إلى التراجع عن بعض التزاماتها النووية.
أهمية البرنامج الصاروخي في العقيدة الدفاعية الإيرانية
تعتبر إيران برنامجها الصاروخي ركيزة أساسية في استراتيجيتها الدفاعية وغير قابل للتفاوض. وتؤكد طهران باستمرار أن صواريخها ذات طابع دفاعي وردعي بحت، وأنها ضرورية لحماية أمنها القومي في منطقة مضطربة، مستشهدة بتجربة الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية، أن هذا البرنامج يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، خاصة مع تطوير صواريخ يصل مداها إلى آلاف الكيلومترات، ويعتبرونه انتهاكاً لروح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 الذي دعا إيران إلى عدم تطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.
تأثيرات إقليمية ودولية
إن استمرار الخلاف حول البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني يلقي بظلاله على المشهد الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يغذي هذا الوضع سباق تسلح ويزيد من حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، مما يرفع من مخاطر اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة أو بالوكالة. أما دولياً، فقد أدى الموقف الأمريكي إلى شرخ في العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين الذين حاولوا إنقاذ الاتفاق النووي، كما أنه يضع تحديات مستمرة أمام المنظمات الدولية، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تسعى للتحقق من سلمية الأنشطة النووية الإيرانية. ويبقى هذا الملف أحد أكثر القضايا تعقيداً على الساحة العالمية، حيث تتشابك فيه حسابات الأمن القومي مع الدبلوماسية الدولية والاقتصاد العالمي.

