في تطور لافت قد يمهد الطريق أمام إحراز تقدم في الملف النووي الشائك، أبدت إيران استعدادها لتقديم تنازلات تتعلق بمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة عليها. جاء هذا الموقف على لسان نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، عقب استئناف المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بوساطة عُمانية في مسقط.
وأوضح روانجي، الذي كان ضمن الوفد الإيراني المفاوض، أن بلاده مستعدة لبحث خيارات للتعامل مع مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، والذي يتجاوز 400 كيلوجرام، وهو ما يمثل نقطة قلق رئيسية للقوى الغربية. وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، لم يغلق المسؤول الإيراني الباب أمام إمكانية شحن هذا المخزون إلى خارج البلاد، قائلاً إن تحديد ما سيحدث خلال المفاوضات “سابق لأوانه”، لكنه أكد: “إذا كانت الولايات المتحدة صادقة، فأنا متأكد من أننا سنسير على الطريق الصحيح نحو التوصل إلى اتفاق”.
السياق التاريخي: من اتفاق 2015 إلى طريق مسقط المسدود
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2018 عندما قرر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب بشكل أحادي من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بـ “الاتفاق النووي الإيراني”، والذي تم توقيعه في عام 2015 بين إيران ومجموعة دول (5+1). كان الاتفاق يهدف إلى تقييد أنشطة إيران النووية بشكل كبير مقابل رفع العقوبات الدولية عنها. بعد الانسحاب الأمريكي، أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، وردت طهران بالتراجع تدريجياً عن التزاماتها بموجب الاتفاق، حيث رفعت مستويات تخصيب اليورانيوم من الحد المسموح به (3.67%) إلى 60%، وهي نسبة قريبة تقنياً من مستوى 90% اللازم لإنتاج سلاح نووي.
أهمية المحادثات وتأثيرها المحتمل
تحمل هذه الجولة من المفاوضات أهمية بالغة على كافة الأصعدة. فعلى الصعيد المحلي الإيراني، يمثل رفع العقوبات شريان حياة للاقتصاد المنهك، وقد يساهم في تخفيف الضغوط المعيشية على المواطنين وتعزيز الاستقرار الداخلي. أما إقليمياً، فإن التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يخفف من حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، حيث تنظر دول مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية بقلق بالغ إلى طموحات طهران النووية. يمكن لاتفاق ناجح أن يقلل من مخاطر سباق تسلح نووي في المنطقة أو اندلاع مواجهة عسكرية. وعلى المستوى الدولي، يعتبر إحياء الاتفاق النووي هدفاً رئيسياً لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وللقوى الأوروبية، كونه يعيد تفعيل أحد أهم ركائز منع الانتشار النووي في العالم، ويعزز الدبلوماسية كأداة لحل النزاعات الدولية المعقدة.
ورغم أن طهران شددت على لسان روانجي أن مطلب “صفر تخصيب” لم يعد مطروحاً على طاولة المفاوضات، إلا أن إبداء المرونة بشأن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب يعتبر خطوة مهمة قد تكسر الجمود الذي خيم على المحادثات لأشهر طويلة، وتفتح نافذة أمل للتوصل إلى حل دبلوماسي يضمن الطبيعة السلمية لبرنامج إيران النووي ويعيدها إلى الاقتصاد العالمي.


