في خطوة تعكس تضييق الخناق على الأصوات المعارضة، أعلنت السلطات الإيرانية عن اعتقال ثلاث شخصيات بارزة من التيار الإصلاحي، من بينهم آذار منصوري، رئيسة “جبهة الإصلاح”، التحالف الرئيسي للأحزاب الإصلاحية في البلاد. وأكدت وكالة أنباء “فارس” شبه الرسمية، أن الاعتقالات شملت إلى جانب منصوري، كلاً من إبراهيم أصغر زاده، النائب السابق في البرلمان، ومحسن أمين زاده، الذي شغل منصب وكيل وزارة الخارجية في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي.
ووفقاً للتقارير الإعلامية الإيرانية، وُجهت للمعتقلين مجموعة من التهم الخطيرة، من بينها “استهداف الوحدة الوطنية”، و”اتخاذ موقف ضد الدستور”، و”التناغم مع دعاية العدو”، بالإضافة إلى “إنشاء آليات تخريبية سرية”. وتأتي هذه الاعتقالات في سياق سياسي مشحون، حيث يشهد المشهد الإيراني صراعاً ممتداً بين التيار المحافظ الذي يهيمن على مفاصل الدولة، والتيار الإصلاحي الذي يطالب بإصلاحات سياسية واجتماعية تدريجية ضمن إطار الجمهورية الإسلامية.
سياق تاريخي من التضييق
لا يمكن فصل هذه الاعتقالات عن الخلفية التاريخية للقمع الذي واجهته الحركة الإصلاحية في إيران على مدى العقود الماضية. فمنذ احتجاجات “الحركة الخضراء” التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في عام 2009، مروراً بالاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في أواخر عام 2022 بعد وفاة الشابة مهسا أميني، دأبت السلطات على استخدام القبضة الأمنية لاحتواء أي حراك سياسي أو شعبي. وتعتبر “جبهة الإصلاح”، التي ترأسها منصوري منذ يونيو 2023، من أبرز الكيانات السياسية التي تسعى للحفاظ على مساحة للعمل السياسي المدني، والمطالبة بتعزيز الحريات الاجتماعية ودور مؤسسات المجتمع المدني.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
على الصعيد المحلي، تمثل هذه الاعتقالات رسالة واضحة من المؤسسة الحاكمة بأنها لن تتسامح مع أي مستوى من التنظيم السياسي المعارض، حتى لو كان يعمل ضمن الأطر القانونية القائمة. وتزيد هذه الخطوة من تقليص المساحة السياسية المتاحة، وتضعف آمال الإصلاحيين في التأثير على السياسات العامة أو المشاركة الفعالة في أي استحقاقات انتخابية مستقبلية. كما أنها قد تدفع ما تبقى من النشطاء السياسيين إلى مزيد من الحذر أو العمل السري، خوفاً من الملاحقة.
أما على الصعيد الدولي، فمن المتوقع أن تثير هذه الاعتقالات إدانات واسعة من قبل المنظمات الحقوقية الدولية والحكومات الغربية، التي طالما انتقدت سجل إيران في مجال حقوق الإنسان وقمع الحريات السياسية. كما أن توجيه تهم مثل “دعم النظام الصهيوني وأمريكا”، كما ذكرت وكالة “ميزان” التابعة للسلطة القضائية، هو تكتيك متكرر تستخدمه طهران لتجريد المعارضين من شرعيتهم الداخلية وتصويرهم كعملاء لقوى خارجية، مما يزيد من تعقيد علاقات إيران الدبلوماسية المتوترة أصلاً.
وتُعد آذار منصوري (60 عاماً) شخصية معروفة بتاريخها النضالي، حيث كانت مستشارة سابقة للرئيس خاتمي، وتعرضت للاعتقال والسجن سابقاً في عام 2009 بتهمة “الإخلال بالنظام العام”، وفي عام 2022 بتهمة “نشر أكاذيب” عبر الإنترنت، مما يجعل اعتقالها الأخير حلقة جديدة في مسلسل طويل من استهداف الأصوات الإصلاحية في إيران.


