أقر المركز الوطني للوقاية من الآفات النباتية والأمراض الحيوانية ومكافحتها “وقاء” في المملكة العربية السعودية، حزمة من الاشتراطات الصارمة التي تهدف إلى تنظيم استيراد شتلات الزيتون والشتلات الأخرى التي تُعد عائلاً رئيسياً لبكتيريا “زيليلا فاستيديوزا” (Xylella fastidiosa)، وذلك من الدول التي سُجلت فيها إصابات مسبقة. وتأتي هذه الخطوة الاستباقية بهدف تعزيز منظومة الأمن الحيوي، وحماية القطاع الزراعي المحلي من مخاطر انتشار الآفات والأمراض النباتية العابرة للحدود، مع ضمان تطبيق أعلى معايير الصحة النباتية وفقاً للوائح الإقليمية والدولية المعتمدة.
السياق التاريخي لظهور بكتيريا زيليلا فاستيديوزا وتأثيرها العالمي
تُعد بكتيريا “زيليلا فاستيديوزا” واحدة من أخطر مسببات الأمراض النباتية على مستوى العالم، حيث تستوطن في الأوعية الناقلة للعصارة (الخشب) في النبات، مما يؤدي إلى انسدادها وجفاف النبات وموته في النهاية. تاريخياً، برز الخطر المدمر لهذه البكتيريا بشكل لافت في عام 2013 عندما اجتاحت بساتين الزيتون في منطقة بوليا بجنوب إيطاليا، متسببة في ظاهرة عُرفت باسم “التدهور السريع للزيتون”. أدى هذا الوباء الزراعي إلى القضاء على ملايين الأشجار المعمرة، وكبد الاقتصاد الزراعي الأوروبي خسائر بمليارات اليوروهات. ومنذ ذلك الحين، استنفرت المنظمات الزراعية الدولية جهودها لوضع بروتوكولات صارمة تمنع انتقال هذه البكتيريا عبر التجارة الدولية للشتلات، نظراً لسرعة انتشارها وصعوبة القضاء عليها بمجرد استيطانها.
الأهمية الاستراتيجية لتنظيم استيراد شتلات الزيتون محلياً ودولياً
يحمل قرار تشديد الرقابة على استيراد شتلات الزيتون أهمية بالغة على الصعيدين المحلي والإقليمي. فمحلياً، تمتلك المملكة العربية السعودية قطاعاً زراعياً واعداً، لا سيما في منطقة الجوف التي تحتضن ملايين أشجار الزيتون وتُعد من أكبر مناطق إنتاج زيت الزيتون في الشرق الأوسط. إن دخول أي آفة مدمرة كبكتيريا “زيليلا” قد يهدد هذا المورد الاقتصادي الحيوي والأمن الغذائي الوطني. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن التزام المملكة بتطبيق هذه الاشتراطات يعكس دورها الريادي في الامتثال للاتفاقية الدولية لوقاية النباتات (IPPC)، ويساهم في الحد من حركة الآفات الزراعية عبر الحدود، مما يعزز الثقة في الصادرات الزراعية السعودية ويحمي دول الجوار من خطر انتقال الأوبئة النباتية.
إجراءات الحصول على إذن الاستيراد للمشاتل والمزارع
حددت الاشتراطات الجديدة مجموعة من المتطلبات الأساسية للحصول على إذن استيراد الشتلات، حيث تضمنت ضرورة توفر الشروط المنصوص عليها في اللائحة التنفيذية لنظام البذور والتقاوي والشتلات. كما يُشترط إرفاق فاتورة شراء يوضح بها الاسم العلمي للنباتات المطلوبة، إلى جانب تقديم طلب استيراد مستقل لكل بلد مصدّر، مع تحديد عدد الشتلات وأنواعها ومنطقة الاستيراد في بلد المنشأ. وأكدت الضوابط منع استيراد الشتلات المأخوذة من أمهات محورة وراثياً أو المنتجة من أصول معدلة وراثياً، بما ينسجم مع الضوابط البيئية والتنظيمية المعتمدة.
وفيما يتعلق بشتلات الزيتون تحديداً، سُمح للمشاريع الزراعية والمزارعين بالاستيراد لأغراض الإحلال أو التحول إلى نظم الزراعة المتقدمة، على أن يكون ذلك ضمن المساحة المزروعة نفسها دون أي توسع في المساحات الجديدة. كما منحت الاشتراطات وزارة البيئة والمياه والزراعة صلاحية إيقاف إذن الاستيراد ومنع دخول الشحنة في حال ظهور إصابات بالبكتيريا في بلد التصدير بعد إصدار الإذن.
اشتراطات الصحة النباتية في بلد التصدير
ألزمت الضوابط بأن تكون الشتلات المستوردة صادرة من مشاتل معتمدة من المنظمة الوطنية لوقاية النباتات في الدولة المصدّرة، مع تقديم شهادة خلو من البكتيريا وتقارير المراقبة الرسمية. ويجب أن تكون المشاتل من مناطق تم إعلانها خالية من الإصابة في الدول التي سجلت وجود البكتيريا. كما اشترطت تقديم سجل المشتل المعتمد، وإرفاق معلومات تفصيلية عن موقع الإنتاج، والأصناف المنتجة، وطريقة الإكثار، ومكونات وسط النمو، ومصادر مواد الإكثار، وتدابير الصحة النباتية المعتمدة، وآلية اعتماد الشتلات، ونظام المراقبة الرسمي.
مواصفات الشتلات والمستندات المطلوبة عند الوصول
نصت الاشتراطات على أن تكون الشتلات حاملة لبطاقات تعريفية معتمدة تتضمن بيانات الزراعة في المشتل، الصنف، الأصل، الطعم، الدرجة، سنة المراقبة، اسم المشتل المنتج، بلد الإنتاج، والشركة المستوردة. وأكدت على أن تكون خالية من التربة، ومزروعة في بيئات بديلة معتمدة مثل البيتموس أو البيرلايت الزراعي، وخاضعة لفحص مخبري للكشف عن بكتيريا Xylella fastidiosa قبل الشحن بمدة لا تقل عن 15 يوماً، على أن تكون نتائج الفحص معتمدة من المنظمة الوطنية لوقاية النباتات في بلد التصدير.
وعند وصول الشحنة إلى المنافذ الحدودية، يتعين تقديم بوليصة الشحن، وأصل شهادة المنشأ، وأصل الشهادة الصحية النباتية مرفقة بإقرار إضافي يؤكد خلو مصدر الشحنة من مناطق الإصابة، إضافة إلى شهادة عدم التحور الوراثي (GMO)، وتقرير نتائج الفحص المخبري المعتمد قبل الشحن بـ 15 يوماً.
برنامج رقابي صارم لما بعد دخول الشتلات
تنص الإجراءات على سحب عينات من الشحنة في المنفذ وفق مستوى ثقة يبلغ 95% ومستوى كشف 5%، استناداً إلى المعيار الدولي رقم 31. وفي حال ثبوت خلوها من البكتيريا، تُحوّل الشتلات إلى مشاتل حجر خاصة يتم تحديدها من قبل المستورد، مع توثيق الموقع والإحداثيات الجغرافية. وتخضع الشتلات العائلة للبكتيريا، والتي تشمل الحمضيات، القهوة، الدفلى، الزيتون، البوليغالا، اللوز، والعنب، لبرنامج رقابي صارم يمتد لمدة لا تقل عن عامين للتأكد من خلوها الكامل من أي إصابات محتملة.
وتتضمن فترة المتابعة ستة أشهر داخل المشتل المرخص المستوفي للاشتراطات الصحية، يعقبها عام ونصف في موقع الغرس الدائم، مع إخضاعها لفحوص ومراقبة دورية مستمرة. ويتم إتلاف أي نبات يثبت تعرضه للإصابة وفق الإجراءات النظامية، كما يتم إجراء فحوص إضافية في مواقع الحجر والوجهة النهائية بمستوى ثقة 95% ومستوى كشف 0.5%.
إدارة المخلفات ومنع الإكثار المبكر
أوجبت الضوابط جمع المخلفات الزراعية الناتجة عن عمليات الزراعة والتعامل معها داخل المشتل أو موقع الغرس بطرق آمنة. كما تم التشديد على منع استخدام العقل الخضرية أو الطرفية لتكاثر النباتات إلا بعد مرور سنتين على الأقل من دخول الشتلات إلى البلاد، بما يحد من أي مخاطر محتملة لانتقال العدوى ويضمن سلامة البيئة الزراعية.


