أكدت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، أن اقتصادات الأسواق الناشئة تستعد لقيادة النمو العالمي، متوقعة أن تتفوق معدلات نموها بشكل كبير على نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة بحلول عام 2026. جاءت هذه التصريحات خلال “مؤتمر العلا” لاقتصادات الأسواق الناشئة، حيث سلطت الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه هذه الدول في ظل عالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة.
تحول في موازين القوى الاقتصادية
أوضحت جورجيفا أن حصة الأسواق الناشئة من الاقتصاد العالمي قد تجاوزت بالفعل النصف، وتقترب من الاستحواذ على 65% من “الكعكة الاقتصادية العالمية”. وأشارت إلى أن معدلات النمو المتوقعة في هذه الاقتصادات، والتي تبلغ حوالي 4% هذا العام، تفوق بفارق كبير تلك المسجلة في الاقتصادات المتقدمة التي تدور حول 1.5%. يعكس هذا الفارق تحولاً هيكلياً في محركات النمو العالمية، حيث لم تعد هذه الأسواق مجرد مصادر للمواد الخام، بل أصبحت مراكز استهلاكية وصناعية وتكنولوجية مؤثرة.
خلفية تاريخية وسياق عالمي
يأتي هذا التطور تتويجاً لعقود من التحولات الاقتصادية التي بدأت مع موجات العولمة في أواخر القرن العشرين. تاريخياً، كانت الاقتصادات المتقدمة في أمريكا الشمالية وأوروبا تهيمن على الناتج العالمي. لكن منذ مطلع الألفية الجديدة، وبفضل الإصلاحات الهيكلية، والانفتاح التجاري، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، بدأت دول مثل الصين والهند والبرازيل ودول جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط تحقق قفزات نمو هائلة. وقد أظهرت هذه الاقتصادات مرونة لافتة في مواجهة الأزمات العالمية، مثل الأزمة المالية لعام 2008 وجائحة كوفيد-19، مما عزز من مكانتها كقاطرات للنمو العالمي.
أسباب التفوق وأهميته المستقبلية
عزت مديرة صندوق النقد هذا الأداء القوي إلى نضج السياسات الاقتصادية في العديد من الأسواق الناشئة. وقالت: “تُظهر أبحاثنا أن الأسواق الناشئة تمتلك بنوكاً مركزية أكثر استقلالية، وأهداف تضخم أكثر وضوحاً لترسيخ السياسة النقدية، واعتماداً أقل على التدخل في سوق الصرف الأجنبي لامتصاص الصدمات.” كما أعربت عن إعجابها بالتقدم الذي أحرزته بعض الدول في اعتماد قواعد مالية صارمة لترسيخ الانضباط في ميزانياتها. إن هذا الاستقرار المؤسسي لا يجذب الاستثمارات فحسب، بل يمكّن هذه الدول من مواجهة التقلبات العالمية بشكل أفضل. على الصعيد الدولي، يعني هذا التحول إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية، وزيادة نفوذ هذه الدول في المنظمات الدولية مثل مجموعة العشرين وصندوق النقد والبنك الدوليين، مما يمنحها صوتاً أقوى في رسم ملامح السياسات الاقتصادية العالمية.


