مع كل غروب شمس في شهر رمضان المبارك، تتحول ساحات وأروقة المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى لوحة إيمانية مهيبة، حيث تجتمع ملايين القلوب والأجساد من شتى بقاع الأرض على موائد إفطار جماعية، في مشهد فريد يجسد أسمى معاني الأخوة الإنسانية والوحدة الإسلامية.
خلفية تاريخية وتقاليد متجذرة
إن عادة إفطار الصائمين في الحرم المكي ليست وليدة اليوم، بل هي تقليد إسلامي عريق متجذر في تاريخ مكة المكرمة، مستلهم من تعاليم الدين الحنيف التي تحث على إطعام الطعام والبذل والعطاء، لا سيما في الشهر الفضيل. وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوله: “من فطّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً”. على مر العصور، تطورت هذه الممارسة من مبادرات فردية يقوم بها أهل الخير من سكان مكة إلى منظومة عمل مؤسسي ضخمة تشرف عليها رئاسة شؤون الحرمين الشريفين والجهات الحكومية المختصة، بالتعاون مع آلاف المتطوعين والمحسنين، لضمان تقديم وجبات الإفطار لملايين الصائمين يومياً بطريقة منظمة وسلسة.
مشهد عالمي للوحدة والمساواة
تتحول اللحظات التي تسبق أذان المغرب إلى حالة من السكينة والخشوع، حيث ترتفع الأكف بالدعاء وتلهج الألسن بالذكر. في هذه الأثناء، تختفي كل الفوارق الاجتماعية والعرقية واللغوية، ليجلس الغني بجانب الفقير، والأبيض بجانب الأسود، والعربي بجانب الأعجمي على بساط واحد، يتشاركون بضع تمرات وكأساً من الماء أو اللبن. هذا المشهد لا يعكس فقط كرم الضيافة، بل يبرز جوهر الرسالة الإسلامية القائمة على المساواة والتراحم والتكافل، ويقدم صورة حية عن عالمية الإسلام وقدرته على توحيد الشعوب تحت راية الإيمان.
الأهمية والتأثير على مختلف الأصعدة
تتجاوز أهمية موائد الإفطار في المسجد الحرام مجرد إشباع جوع الصائمين، لتمتد إلى أبعاد أعمق. فعلى الصعيد المحلي، تعكس هذه الجهود الدور الريادي للمملكة العربية السعودية في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، وتبرز قدرتها التنظيمية الفائقة في إدارة الحشود المليونية. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذه الصور التي تنتشر عبر وسائل الإعلام حول العالم تقدم رسالة سلام وتآخٍ، وتساهم في تعزيز الصورة الحضارية والإنسانية للإسلام، وتظهر للعالم أجمع كيف يمكن لمكان واحد أن يجمع هذا التنوع البشري الهائل في وئام وانسجام تام. إنها رسالة متجددة كل يوم بأن قلب العالم الإسلامي ينبض بالخير والمحبة والسلام.
وفي نهاية المطاف، تبقى لحظات الإفطار في رحاب البيت العتيق تجربة روحانية عميقة، وذاكرة لا تُمحى من أذهان المعتمرين والزوار، ورسالة عالمية متجددة تؤكد على مكانة الحرم المكي الشريف كمنارة للسلام والوحدة، ومشهد حي تتجسد فيه القيم الإسلامية في أصدق صورها.


