خلاف جديد يهدد وحدة الصف الأوروبي
في تطور يسلط الضوء مجددًا على الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن سياسته تجاه روسيا، أعلنت المجر أنها ستستخدم حق النقض (الفيتو) لتعطيل حزمة العقوبات الجديدة التي يعتزم الاتحاد فرضها على موسكو، ما لم تستأنف أوكرانيا ضخ النفط عبر خط أنابيب دروجبا. ويأتي هذا الموقف الحازم من بودابست، بمشاركة سلوفاكيا، ليضع كييف في موقف حرج، ويهدد بتأخير الإجراءات العقابية الأوروبية.
السياق العام: اعتماد على الطاقة وسياسة متفردة
لفهم الموقف المجري، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية والجغرافية التي تحكم سياسات الطاقة في وسط أوروبا. يُعد خط أنابيب دروجبا (الصداقة)، الذي تم بناؤه في الحقبة السوفيتية، شريان حياة حيويًا لعدد من الدول الأوروبية غير الساحلية، وعلى رأسها المجر وسلوفاكيا. تعتمد هذه الدول بشكل كبير على النفط الروسي الخام الذي يتدفق عبر هذا الخط لتشغيل مصافيها وتلبية احتياجاتها من الطاقة. ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، انتهج رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، سياسة وصفت بالبراغماتية، حيث حافظ على علاقات اقتصادية مع موسكو، وعارض مرارًا فرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الروسي، بحجة حماية أمن الطاقة والمصالح الاقتصادية لبلاده.
تفاصيل الأزمة الحالية
صرح رئيس الوزراء فيكتور أوربان ووزير خارجيته بيتر سيارتو بوضوح أن الموافقة على حزمة العقوبات الجديدة مرهونة بعودة تدفق النفط. وكتب أوربان على منصة “إكس”: “لا تأييد للعقوبات، الحزمة الجديدة سيتم رفضها”. من جانبها، تقول أوكرانيا إن الخط الذي يمر عبر أراضيها قد تضرر جراء الضربات الروسية التي وقعت في 27 يناير، مما أدى إلى توقف الإمدادات. هذا الوضع خلق حالة من الشد والجذب، حيث ترى بودابست أن على كييف ضمان سلامة وأمن ممرات الطاقة الحيوية لأوروبا.
ولم تكن المجر وحدها في هذا الموقف، حيث هدد رئيس وزراء سلوفاكيا، روبرت فيكو، بقطع إمدادات الكهرباء الطارئة عن أوكرانيا إذا لم يتم استئناف ضخ النفط، مما يظهر تنسيقًا أو على الأقل توافقًا في المصالح بين البلدين الجارين.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة
يمثل هذا الخلاف اختبارًا جديدًا لوحدة الاتحاد الأوروبي. فآلية اتخاذ القرار في الاتحاد، التي تتطلب إجماع الدول الأعضاء (27 دولة) لفرض العقوبات، تمنح كل دولة، بما في ذلك المجر، القدرة على تعطيل السياسة الخارجية للكتلة بأكملها.
- على المستوى الإقليمي: يعمق هذا الموقف الخلافات القائمة بين دول أوروبا الشرقية والوسطى من جهة، وبقية دول الاتحاد من جهة أخرى، حول كيفية التعامل مع روسيا. كما يضع أوكرانيا تحت ضغط إضافي من دول هي جزء من التكتل الداعم لها.
- على المستوى الدولي: أي تأخير أو تخفيف في حزمة العقوبات الجديدة يصب في مصلحة روسيا، حيث يظهر الكرملين بمظهر القادر على استغلال الانقسامات الأوروبية لصالحه. كما أنه يضعف من قدرة الغرب على ممارسة ضغط اقتصادي موحد وفعال على موسكو لإجبارها على إنهاء الحرب.
تستهدف حزمة العقوبات الجديدة التي يناقشها الاتحاد قطاعات حيوية مثل المصارف والطاقة في روسيا، وتأتي استكمالًا لسلسلة من الإجراءات التي بدأت منذ عام 2022. ويبقى السؤال الآن معلقًا حول ما إذا كانت المفاوضات الدبلوماسية ستنجح في إيجاد حل يرضي جميع الأطراف، أم أن المجر ستمضي قدمًا في استخدام حق الفيتو، مما يوجه ضربة للجهود الأوروبية الموحدة.


