جهود متواصلة لخدمة ضيوف الرحمن
في إطار سعيها الدؤوب لتقديم أرقى الخدمات لضيوف الرحمن، سخّرت المملكة العربية السعودية، ممثلة بالهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين الشريفين، أحدث التقنيات التشغيلية العالمية لضمان توفير بيئة تعبدية آمنة ومريحة لملايين القاصدين للمسجد الحرام والمسجد النبوي. وتبرز منظومتا التبريد والإضاءة كأحد أضخم المشاريع الهندسية والتقنية على مستوى العالم، حيث يتم إدارتهما على مدار الساعة بأنظمة ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لضمان الكفاءة والاستدامة.
خلفية تاريخية لمشاريع التوسعة
شهد الحرمان الشريفان على مر العصور، وخاصة في عهد الدولة السعودية، مشاريع توسعة هي الأكبر في التاريخ. بدأت هذه المشاريع منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود واستمرت مع أبنائه الملوك، حيث هدفت كل توسعة إلى زيادة الطاقة الاستيعابية وتطوير البنية التحتية لمواكبة الأعداد المتزايدة للحجاج والمعتمرين. وقد شكلت هذه التوسعات، وآخرها التوسعة السعودية الثالثة، الأساس الذي بنيت عليه هذه الأنظمة العملاقة، حيث تم تصميمها وتكاملها مع الإنشاءات الجديدة لتوفير تجربة روحانية متكاملة وميسرة.
منظومة تبريد هي الأضخم عالمياً
يعتبر نظام التكييف في المسجد الحرام أحد أكبر أنظمة التبريد في العالم، حيث تصل طاقته الاستيعابية إلى 155 ألف طن تبريد. يتم ضخ الهواء المبرد عبر محطتين رئيسيتين هما “الشامية” و”أجياد”، اللتان تعملان على تلطيف الأجواء في كافة أروقة وساحات المسجد الحرام. ولضمان استقرار درجة الحرارة بين 22 و24 درجة مئوية، تم تركيب 77 حساساً حرارياً يعمل على قياس درجة الحرارة وتعديلها تلقائياً بناءً على كثافة الزوار. النظام مدعوم أيضاً بأنظمة تنقية هواء متقدمة تصل كفاءتها إلى 95%، مما يضمن توفير هواء نقي وصحي للمصلين.
وفي المسجد النبوي، تتولى محطة تبريد مركزية عملاقة تقع على مساحة 70 ألف متر مربع مهمة تلطيف الأجواء. تضم المحطة ست وحدات مركزية تبلغ طاقة كل منها 3,400 طن، وتغطي هذه المنظومة المتطورة 2,357 عموداً في التوسعات المختلفة، وتدير 550 وحدة تكييف لضمان توزيع الهواء بكفاءة قصوى ومواكبة الكثافات المليونية.
إضاءة ذكية وحركة انسيابية
شهدت أنظمة الإضاءة في الحرمين الشريفين نقلة نوعية بالتحول إلى وحدات “LED” الحديثة والموفرة للطاقة. يحتضن المسجد الحرام ما يزيد عن 120 ألف وحدة إضاءة، بينما يضاء المسجد النبوي بـ 137 ألف وحدة. تُدار هذه الشبكة الضخمة بنظام ذكي يربط الإضاءة بأوقات الصلوات، حيث يتم ضبط شدتها آلياً لتوفير الراحة البصرية وتعزيز السكينة والخشوع. كما تم توظيف تقنيات الإضاءة غير المباشرة لمنع التوهج البصري. ولدعم انسيابية حركة الحشود، تضم المنظومة التشغيلية شبكة متطورة تشمل 400 سلم كهربائي و54 مصعداً تخضع لبرامج صيانة وقائية دقيقة لتسهيل التنقل المستمر بين الأدوار والمرافق.
الأهمية والتأثير العالمي
لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على الجانب المحلي، بل تمتد لتشمل العالم الإسلامي بأسره. فعلى الصعيد الوطني، تعكس هذه الأنظمة قدرة المملكة التقنية والهندسية وتؤكد التزامها بخدمة الحرمين الشريفين، وهو ما يتماشى مع أهداف رؤية 2030 لتحسين تجربة الحج والعمرة. أما دولياً، فهي تضع معياراً عالمياً في إدارة المرافق الدينية الضخمة، وتؤثر بشكل مباشر وإيجابي على ملايين المسلمين القادمين من كل أنحاء العالم، مما يعزز مكانة المملكة كقلب نابض للعالم الإسلامي. وتتوج هذه الجهود غرف تحكم مركزية متطورة تراقب البيانات لحظياً وتستخدم برامج ذكية للتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، مما يضمن استدامة الموارد وطمأنينة ضيوف الرحمن.


