في خطوة استباقية تعكس حرص المملكة العربية السعودية على الارتقاء المستمر بمنظومة خدمات الحج والعمرة، كشفت مصادر مطلعة لصحيفة «اليوم» عن حزمة من المشاريع التطويرية النوعية المقرر تنفيذها استعداداً لموسم حج 1447هـ. وتأتي هذه المشاريع بإشراف شركة كدانة للتنمية والتطوير، الذراع التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، لترسم ملامح جديدة لمستقبل المشاعر المقدسة عبر دمج التقنية بالبنية التحتية.
سياق الرؤية وتطوير المشاعر المقدسة
تندرج هذه التحركات ضمن مستهدفات «برنامج خدمة ضيوف الرحمن»، أحد برامج رؤية المملكة 2030، الذي يهدف إلى تيسير استضافة المزيد من المعتمرين والحجاج مع تقديم خدمات ذات جودة عالية. وتكتسب هذه المشاريع أهمية خاصة في ظل التحديات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، حيث تسعى المملكة لتوظيف أحدث الحلول الهندسية والتقنية لضمان راحة الحجاج وسلامتهم، مما يعزز من مكانة المملكة الريادية عالمياً في إدارة الحشود وتنظيم الفعاليات المليونية في بيئات جغرافية معقدة.
ثورة في أنظمة التبريد بمنشأة الجمرات
أحد أبرز ملامح الخطة التطويرية لموسم 1447هـ يتمثل في التحديث الجذري لأنظمة تلطيف الهواء في منشأة الجمرات. وتتجه «كدانة» لاستبدال أعمدة الرذاذ التقليدية بمنظومة متطورة تعتمد على مراوح رذاذ ذات كفاءة تشغيلية عالية. وتشمل الخطة استبدال نحو 190 عموداً بمراوح حديثة تمتلك القدرة على خدمة ما يقارب 180 ألف حاج في الساعة الواحدة.
هذا المشروع الطموح، الذي يأتي استكمالاً لنجاحات موسم 1446هـ، يهدف بشكل مباشر إلى خفض درجات الحرارة في المنطقة المحيطة بما يصل إلى 8 درجات مئوية. ويعد هذا الخفض عاملاً حاسماً في تقليل حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس بين الحجاج، مما يرفع من مستوى السلامة الصحية العامة ويثري تجربة الحاج الروحانية بعيداً عن العناء الجسدي المفرط.
جبل الرحمة.. مظلات ذكية لمواجهة الشمس
وفي إطار معالجة التحديات المناخية في المشاعر المفتوحة، تم الإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من مشروع تخفيف أثر الإجهاد الحراري في منطقة جبل الرحمة بمشعر عرفات. ويستهدف المشروع تغطية مساحة إجمالية تقارب 14 ألف متر مربع عبر تركيب 20 وحدة مظلة عملاقة.
ولا تقتصر وظيفة هذه المظلات على الحجب التقليدي لأشعة الشمس، بل سيتم تزويدها بأنظمة تبريد ومراوح رذاذ مبتكرة تعمل على تلطيف المناخ العام للمنطقة. وتساهم هذه الخطوة في تحسين جودة الحياة في المشاعر المقدسة، وتوفير بيئة آمنة ومريحة للحجاج أثناء أدائهم لأهم أركان الحج، خاصة في ساعات الذروة الظهيرة.
دراسات جيولوجية لتعزيز الأمان البيئي
بعيداً عن حلول التبريد، تولي الخطة اهتماماً بالغاً بالسلامة الجيولوجية للمشاعر المقدسة. حيث تتضمن مشاريع حج 1447هـ تنفيذ دراسات مسحية وهندسية شاملة لتقييم مخاطر المنحدرات والانهيارات الصخرية في مساحة تقدر بنحو 119.6 كيلومتر مربع تشمل منى ومزدلفة وعرفات.
ويعتمد المشروع على 81 منطقة جيوتقنية و506 محطات رصد دقيقة، تهدف إلى وضع تدابير حماية هندسية استباقية. وتعكس هذه الدراسات الالتزام العميق بـ «الأمن الوقائي»، حيث تضمن استدامة البنية التحتية وحماية الأرواح والممتلكات، مما يؤكد جاهزية المشاعر المقدسة لاستقبال الزيادات المتوقعة في أعداد الحجاج مستقبلاً بأعلى معايير الأمان العالمية.


