أثارت الأنباء حول اهتمام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشراء غرينلاند ردود فعل حاسمة من المسؤولين في كل من الجزيرة والدنمارك، حيث أكد نائب رئيس وزراء غرينلاند، ميوتي إيغيدي، بشكل قاطع أن الجزيرة ليست للبيع. وفي تصريح يعكس روح السيادة الوطنية، قال إيغيدي: “أيّا كانت الضغوط الممارسة من الآخرين، فإن بلدنا لن يتمّ التخلّي عنه ولن يكون موضع مزايدات على مستقبلنا. من غير المقبول محاولة التخلّي عن بلدنا لآخرين. فهذا بلدنا ونحن من يحدّد مستقبله”.
خلفية تاريخية للاهتمام الأمريكي
لم تكن فكرة شراء الولايات المتحدة لغرينلاند جديدة، بل تعود جذورها إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. في عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان على الدنمارك مبلغ 100 مليون دولار لشراء الجزيرة، مدركًا أهميتها الاستراتيجية في بداية الحرب الباردة، لكن الدنمارك رفضت العرض. يكمن جوهر الأهمية الاستراتيجية في موقع غرينلاند الجغرافي الفريد، الذي يفصل بين المحيطين الأطلسي والمتجمد الشمالي، مما يجعلها نقطة مراقبة وتحكم حيوية للطرق البحرية والجوية في القطب الشمالي. كما تستضيف الجزيرة قاعدة “ثول” الجوية، وهي أقصى قاعدة عسكرية أمريكية في الشمال، والتي لعبت دورًا محوريًا في نظام الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ إنشائها في عام 1951 بموجب اتفاقية دفاع مشترك مع الدنمارك.
الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية المتجددة
في القرن الحادي والعشرين، اكتسبت غرينلاند أهمية إضافية تتجاوز البعد العسكري التقليدي. أدى تغير المناخ وذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى فتح ممرات ملاحية جديدة، مثل الممر الشمالي الغربي، مما يقلص المسافات بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. بالإضافة إلى ذلك، كشف انحسار الجليد عن ثروات طبيعية هائلة يُعتقد أنها تكمن تحت أراضي غرينلاند، بما في ذلك النفط والغاز الطبيعي والمعادن النادرة مثل اليورانيوم والزنك، وهي عناصر حيوية للصناعات التكنولوجية المتقدمة. هذا الواقع الجديد وضع غرينلاند في قلب التنافس الجيوسياسي المتزايد في منطقة القطب الشمالي، ليس فقط من قبل الولايات المتحدة، ولكن أيضًا من قبل قوى عالمية أخرى مثل روسيا والصين، اللتين تسعيان لتعزيز نفوذهما في المنطقة.
التأثير الدبلوماسي والمستقبل
أدى تجدد اهتمام ترامب بشراء الجزيرة إلى توتر دبلوماسي قصير الأمد بين الولايات المتحدة والدنمارك، حيث وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، الفكرة بأنها “مناقشة سخيفة”. ورغم أن غرينلاند هي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، فإن كوبنهاغن لا تزال مسؤولة عن شؤونها الخارجية والدفاعية. إن الرفض القاطع من قبل السياسيين في كل من غرينلاند والدنمارك يؤكد على أن مستقبل الجزيرة يقرره سكانها، الذين يتطلعون إلى مزيد من الاستقلالية والسيادة على مواردهم، وليس أن تكون مجرد قطعة أرض استراتيجية في صفقة عقارية دولية.


