في تطور لافت للأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والدنمارك حول مستقبل جزيرة جرينلاند، أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحكومة جرينلاند عن عزمهما المشترك لتعزيز الدفاعات العسكرية للإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي. تأتي هذه الخطوة كمحاولة استباقية لكبح طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جدد رغبته في ضم الجزيرة الاستراتيجية إلى السيادة الأمريكية، سواء عبر التفاوض أو التلميح باستخدام القوة.
الاستنجاد بالمظلة الأطلسية
وفي مواجهة سيناريوهات قد تصل إلى حد محاولة الضم القسري، علق رئيس حكومة الإقليم، ينس-فريدريك نيلسن، آماله بشكل كامل على الحماية التي يوفرها حلف الناتو. وصرح نيلسن عبر منصات التواصل الاجتماعي قائلاً: “أمننا ودفاعنا هما من ضمن مسؤوليات حلف شمال الأطلسي”، مؤكداً أن حكومته ستعمل بتعاون وثيق مع الحلف ومع الدنمارك لضمان تعزيز الدفاعات في الجزيرة وحولها، مع الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة مع الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة.
الخلفية التاريخية: ليست المرة الأولى
لفهم عمق هذه الأزمة، يجب العودة إلى التاريخ؛ فالاهتمام الأمريكي بجرينلاند ليس وليد اللحظة ولا يقتصر على حقبة ترامب. ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان شراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار من الذهب، نظراً لموقعها الجيوسياسي الحيوي. وفي عام 1951، تم توقيع اتفاقية دفاعية بين الولايات المتحدة والدنمارك، منحت واشنطن حقوقاً عسكرية واسعة، أبرزها قاعدة “ثول” الجوية (التي تعرف الآن بقاعدة بيتوفيك الفضائية)، وهي أقصى قاعدة عسكرية أمريكية في الشمال، وتعد حجر الزاوية في نظام الإنذار المبكر الصاروخي الأمريكي.
الأهمية الاستراتيجية وصراع القطب الشمالي
تتجاوز قضية جرينلاند فكرة “الصفقة العقارية” التي يروج لها ترامب؛ فالجزيرة تقع في قلب التنافس الدولي الجديد على القطب الشمالي. مع ذوبان الجليد، تنفتح ممرات ملاحية جديدة وتصبح الموارد الطبيعية الهائلة، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة والنفط والغاز، متاحة للاستغلال. وتخشى واشنطن من تزايد النفوذ الروسي والصيني في هذه المنطقة الحيوية، مما يجعل السيطرة على جرينلاند مسألة أمن قومي أمريكي من وجهة نظر إدارة ترامب.
موقف الناتو وتحذيرات الدنمارك
من جانبه، أكد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أن التكتل يعمل حالياً على بلورة استراتيجية لتعزيز أمن منطقة القطب الشمالي، مشيراً إلى أن الدنمارك لا تمانع في زيادة الوجود العسكري الأمريكي، ولكن ضمن إطار التحالف وليس عبر الضم. ومع ذلك، حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، بلهجة شديدة من أن أي هجوم عسكري أمريكي على جرينلاند سيعني “نهاية التحالف”، واضعة الحلف أمام اختبار وجودي غير مسبوق، حيث يهدد أحد أعضائه الرئيسيين بانتهاك سيادة عضو آخر.


