شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً طفيفاً خلال تعاملات يوم الأربعاء، مدعومة بتزايد إقبال المستثمرين على الملاذات الآمنة. يتزامن هذا الصعود مع تراجع أسعار النفط الذي ساهم في تهدئة مخاوف التضخم، وسط توقعات متزايدة بإمكانية إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري. وتأتي هذه التحركات قبيل صدور بيانات التضخم في الولايات المتحدة، والتي يترقبها المستثمرون بشغف للحصول على مؤشرات إضافية بشأن مسار السياسة النقدية المستقبلية.
السياق التاريخي لتحركات أسعار الذهب كملاذ آمن
تاريخياً، طالما ارتبطت أسعار الذهب بعلاقة عكسية مع الاستقرار الاقتصادي؛ ففي أوقات الأزمات والحروب، يسارع المستثمرون إلى تسييل أصولهم ذات المخاطر العالية وتوجيهها نحو المعادن النفيسة لحماية ثرواتهم. هذا السلوك الاستثماري ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لعقود من التفاعلات الاقتصادية حيث يُعتبر الذهب أداة التحوط الأولى ضد التضخم وتقلبات العملات. ومع تراجع قيمة الدولار أو انخفاض أسعار الفائدة، تقل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً ثابتاً، مما يعزز من جاذبيته الاستثمارية ويدفع أسعاره نحو مستويات قياسية.
تأثير التوترات الجيوسياسية على الأسواق العالمية
يحمل المشهد الجيوسياسي الحالي تأثيرات بالغة الأهمية على المستويين الإقليمي والدولي. فقد كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما الجوية على إيران في تصعيد وصفه مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية ومصادر إيرانية بأنه الأعنف منذ اندلاع الحرب. ورغم رهانات الأسواق على مساعي سياسية لإنهاء الصراع قريباً، إلا أن التداعيات الميدانية كانت قاسية. أدت هذه التوترات فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي حيوي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً. هذا الإغلاق أسفر عن احتجاز ناقلات النفط لأكثر من أسبوع، وأجبر المنتجين على وقف الإنتاج بسبب امتلاء مرافق التخزين، مما يهدد بأزمة طاقة عالمية قد تعيد رسم خريطة التحالفات الاقتصادية وتزيد من الضغوط التضخمية على الدول المستوردة للطاقة.
توقعات الأسعار وبيانات التضخم المرتقبة
في ظل هذه المعطيات، صعدت أسعار الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.1% لتصل إلى 5198.29 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 06:41 بتوقيت غرينتش، في حين تراجعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة تسليم أبريل بنسبة 0.7% إلى 5206.40 دولارات. من جهة أخرى، تراجعت أسعار النفط إلى ما دون 90 دولاراً للبرميل وسط تقارير تفيد بأن وكالة الطاقة الدولية اقترحت أكبر عملية سحب من احتياطيات النفط في تاريخها بهدف كبح جماح الأسعار المرتفعة.
وأشار نيكوس كافاليس، المدير الإداري في سنغافورة لدى شركة ميتالز فوكس، إلى أن تراجع مخاوف التضخم أعاد إبراز دور الذهب كأداة تحوط وملاذ آمن. وتوقع كافاليس أن يتجاوز سعر الذهب حاجز 6000 دولار للأوقية بحلول الربع الثالث أو الرابع من العام الجاري، مع احتمالية تسجيل مستويات أعلى مطلع العام المقبل، خاصة وأن المعدن الأصفر قد ارتفع بأكثر من 20% منذ بداية العام مسجلاً مستويات قياسية متتالية.
قرارات الفيدرالي ومستقبل السياسة النقدية
تتجه أنظار الأسواق الآن نحو صدور مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي لشهر فبراير، إلى جانب مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) المقرر صدوره يوم الجمعة، والذي يُعد المقياس المفضل للتضخم لدى الاحتياطي الفيدرالي. ويتوقع المستثمرون أن يُبقي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في ختام اجتماعه يوم 18 مارس، مع استمرار التوقعات بإجراء خفضين على الأقل للفائدة خلال العام الحالي وفقاً لأداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة سي إم إي.
وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.8% إلى 87.74 دولاراً للأوقية، وانخفض البلاتين بنسبة 0.6% إلى 2188.27 دولاراً، بينما ارتفع البلاديوم بنسبة 0.5% ليصل إلى 1663.39 دولاراً.


