شهدت أسعار الذهب في ختام تعاملات يوم الثلاثاء ارتفاعاً ملحوظاً، إلا أن هذا التعافي لم يكن كافياً لمحو الخسائر القاسية التي تكبدها المعدن النفيس طوال الشهر. فقد سجل الذهب أكبر خسارة شهرية له منذ ذروة الأزمة المالية العالمية في عام 2008، متأثراً بمزيج معقد من الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية التي أعادت تشكيل خريطة الاستثمار العالمي.
وجاء هذا الأداء المتباين في ظل استمرار المخاوف العميقة المرتبطة بمعدلات التضخم العالمية، إلى جانب تزايد التوقعات بشأن إبقاء البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول. هذا التوجه النقدي المتشدد يحد بشكل مباشر من جاذبية الذهب كأصل استثماري لا يدر عائداً ثابتاً مقارنة بالسندات الحكومية.
الخلفية التاريخية: مقارنة بين أزمة 2008 والمشهد الحالي
لفهم حجم التراجع الأخير، يجب النظر إلى السياق التاريخي. في أكتوبر 2008، واجهت الأسواق العالمية أزمة سيولة خانقة دفعت المستثمرين لتسييل أصولهم، بما في ذلك الذهب، لتغطية مراكزهم المالية، مما أدى إلى هبوط حاد في أسعاره آنذاك قبل أن يعود للارتفاع كملاذ آمن. اليوم، تتكرر ملامح الضغط ولكن بأسباب مختلفة؛ فبدلاً من أزمة السيولة، يواجه الاقتصاد العالمي تحدي التضخم العنيد الذي يجبر البنوك المركزية على رفع تكلفة الاقتراض. ورغم التراجع الحاد بنسبة 11.51% خلال شهر مارس، إلا أن أسعار الذهب أظهرت مرونة على المدى المتوسط، حيث تمكن المعدن الأصفر من تحقيق مكاسب فصلية بلغت 6.16% خلال الربع الأول من العام الجاري، مما يعكس استمرار الدعم طويل الأجل للأسعار.
أداء العقود الآجلة والفضة في الأسواق
على صعيد التداولات اليومية، ارتفعت العقود الآجلة للذهب تسليم يونيو بنسبة 2.65%، ما يعادل 121.10 دولار، لتصل إلى مستوى 4678.60 دولار للأوقية عند التسوية. ولم تكن الفضة بعيدة عن هذه التحركات العنيفة، حيث قفزت العقود الآجلة تسليم أبريل بنسبة 6.21% خلال جلسة الثلاثاء لتصل إلى 74.69 دولار للأوقية.
لكن على أساس شهري، تكبدت الفضة خسائر أكبر، إذ تراجعت بنسبة 19.41% خلال مارس، مسجلة أعمق انخفاض شهري منذ سبتمبر 2011. ورغم ذلك، أظهرت الفضة أداءً إيجابياً على المدى الفصلي بارتفاع نسبته 6.50% خلال الربع الأول، محققة مكاسب للربع الخامس على التوالي.
تأثير تراجع أسعار الذهب على المشهد الاقتصادي
يحمل هذا التذبذب في أسعار الذهب تأثيرات واسعة النطاق. على المستوى المحلي والإقليمي، يؤثر تراجع الأسعار على سلوك المستهلكين في أسواق التجزئة والمجوهرات، حيث يعتبر الكثيرون في منطقة الشرق الأوسط الذهب وعاءً ادخارياً للتحوط ضد تقلبات العملات المحلية. أما على الصعيد الدولي، فإن انخفاض أسعار المعادن النفيسة يعكس تحولاً في تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول المقومة بالدولار الأمريكي، مما يعزز قوة العملة الخضراء ويضغط على اقتصادات الأسواق الناشئة التي تعتمد على استيراد السلع الأساسية.
التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على شهية المخاطرة
تأثرت أسواق المعادن النفيسة بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها تصاعد المخاوف من استمرار التضخم، وتوقعات تشديد السياسة النقدية، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. وفي المقابل، تلقت الأسواق بعض الدعم في الجلسة الأخيرة من الشهر مع تزايد التفاؤل بشأن احتمالات خفض التصعيد.
وجاء ذلك بعد تقارير أشارت إلى تحركات سياسية أمريكية، تضمنت تصريحات منسوبة لدونالد ترامب حول دراسة إنهاء التوترات مع إيران، حتى في حال استمرار التهديدات المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما ساهم في تعزيز شهية المخاطرة لدى المستثمرين ودفعهم نحو إعادة تقييم مراكزهم المالية بعيداً عن الملاذات الآمنة التقليدية.


