كشف تقرير حديث صادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) عن توقعات بنمو الطلب العالمي على النفط خلال العام المقبل ليصل إلى 860 ألف برميل يوميًا، وهو ما يمثل زيادة قدرها 90 ألف برميل يوميًا عن التقديرات السابقة. يأتي هذا في الوقت الذي تشير فيه تقديرات الوكالة إلى أن نمو الطلب خلال العام الحالي سيستقر عند حوالي 830 ألف برميل يوميًا، مما يعكس تباطؤًا نسبيًا في وتيرة النمو مقارنة بفترة ما بعد جائحة كورونا.
وأوضح التقرير، الذي يمثل رؤية الدول الصناعية الكبرى المستهلكة للنفط، أن محركات النمو الرئيسية تتمثل في قطاعي البنزين ووقود الطائرات (الكيروسين)، حيث يشكلان معًا ما يقرب من نصف الزيادة المتوقعة في إجمالي الطلب. ويعزى ذلك إلى استمرار تعافي قطاع الطيران العالمي وعودة حركة السفر إلى مستوياتها الطبيعية تدريجيًا، بالإضافة إلى الطلب المستمر على النقل البري في الاقتصادات الناشئة.
السياق العام وتحولات سوق الطاقة
تأتي هذه التوقعات في ظل مشهد اقتصادي عالمي معقد. فمن ناحية، لا يزال العالم يتعافى من التداعيات الاقتصادية للجائحة، مما يدعم الطلب على الطاقة. ومن ناحية أخرى، تفرض السياسات النقدية المتشددة وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى ضغوطًا قد تحد من النمو الاقتصادي، وبالتالي كبح جماح الطلب على النفط. وفي موازاة ذلك، يشير التقرير إلى تراجع الطلب على الوقود النفطي المستخدم في توليد الكهرباء، وهو تحول هيكلي يعكس التوجه العالمي المتزايد نحو مصادر طاقة أنظف مثل الطاقة الشمسية والغاز الطبيعي، تماشيًا مع أهداف خفض الانبعاثات الكربونية.
قطاع البتروكيماويات يقود النمو المستقبلي
يسلط التقرير الضوء على دور محوري متزايد لقطاع البتروكيماويات باعتباره القاطرة الرئيسية للطلب على النفط على المدى الطويل. فمن المتوقع أن ترتفع حصة هذا القطاع من إجمالي استهلاك النفط العالمي إلى 60% خلال العام المقبل، مقارنة بحوالي 40% في العام الحالي. هذا التحول يعكس الأهمية المتنامية للمنتجات البتروكيماوية مثل البلاستيك والأسمدة والمواد الصناعية الأخرى في الاقتصادات الحديثة، مما يجعل هذا القطاع محركًا أساسيًا للطلب حتى في ظل تباطؤ الطلب على وقود النقل.
التأثيرات المتوقعة على الأسواق العالمية
لهذه التوقعات تأثيرات واسعة على الصعيدين الإقليمي والدولي. بالنسبة للدول المنتجة للنفط، خاصة أعضاء تحالف “أوبك+”، توفر هذه الأرقام أساسًا لرسم سياساتها الإنتاجية المستقبلية بهدف الحفاظ على استقرار الأسواق. وعلى الجانب الآخر، تواصل الدول المستهلكة مراقبة هذه التطورات عن كثب لتأمين إمداداتها من الطاقة والتخطيط للانتقال الطاقوي. وفيما يتعلق بالمعروض، أشار التقرير إلى انخفاض المعروض العالمي بمقدار 610 آلاف برميل يوميًا في نوفمبر، استمرارًا للتراجع من المستوى القياسي البالغ 109 ملايين برميل يوميًا المسجل في سبتمبر، وهو ما يعكس تأثير تخفيضات الإنتاج الطوعية التي ينفذها بعض كبار المنتجين لتحقيق التوازن في السوق.


