سجل الطلب العالمي على الذهب مستوى قياسياً جديداً في عام 2025، مدفوعاً بحالة من عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي التي أجبرت المستثمرين والبنوك المركزية على اللجوء إلى المعدن الأصفر كملاذ آمن. ووفقاً للتقرير السنوي الصادر عن مجلس الذهب العالمي، فإن السياسات التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت المحرك الرئيسي وراء هذا الارتفاع غير المسبوق.
خلفية تاريخية: الذهب كملاذ آمن
على مر العصور، أثبت الذهب مكانته كأصل استراتيجي يلجأ إليه المستثمرون والدول في أوقات الأزمات. ففي فترات الاضطرابات السياسية، أو الحروب، أو التضخم المرتفع، أو تراجع قيمة العملات الورقية، يميل الذهب إلى الحفاظ على قيمته أو حتى زيادتها. شهدنا هذا السلوك خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث ارتفعت أسعار الذهب بشكل كبير مع انهيار الثقة في الأسواق المالية التقليدية. إن الإقبال الحالي يعكس تكراراً لهذا النمط التاريخي، حيث يُنظر إلى الذهب على أنه بوليصة تأمين ضد التقلبات الحادة في النظام المالي العالمي.
تأثير سياسات ترامب على الأسواق العالمية
أشار تقرير مجلس الذهب العالمي إلى أن مشتريات الذهب في عام 2025 تجاوزت 5000 طن، بقيمة تعادل 555 مليار دولار، ما يمثل زيادة سنوية بنسبة 45%. وأوضح كريشان جوبول، الخبير في المجلس، أن “عدم اليقين” هو العامل الحاسم. وقد تجلى هذا الغموض في عدة سياسات رئيسية لإدارة ترامب، أبرزها فرض تعريفات جمركية عقابية على شركاء تجاريين رئيسيين مثل الصين والاتحاد الأوروبي والهند، مما أشعل فتيل حرب تجارية عالمية هددت استقرار سلاسل الإمداد وأثارت مخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي. بالإضافة إلى ذلك، أدت انتقادات ترامب المتكررة لسياسات الاحتياطي الفيدرالي إلى تآكل الثقة في استقلالية البنك المركزي الأمريكي، مما أضعف الدولار ودفع المستثمرين للبحث عن بدائل آمنة.
البنوك المركزية تعزز احتياطياتها الذهبية
لم يقتصر الطلب على المستثمرين الأفراد والمؤسسات فقط، بل شهدت البنوك المركزية حول العالم زيادة ملحوظة في مشترياتها من الذهب. هذه الخطوة تأتي في إطار استراتيجية أوسع تُعرف بـ “إزالة الدولرة” (De-dollarization)، حيث تسعى العديد من الدول، وخاصة الاقتصادات الناشئة، إلى تقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي في احتياطياتها الأجنبية. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة الذهب في احتياطيات البنوك المركزية العالمية إلى أكثر من 20%، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها منذ أوائل التسعينيات. هذا التحول لا يعكس فقط انعدام الثقة في السياسات الأمريكية، بل يمثل أيضاً تحولاً استراتيجياً في موازين القوى الاقتصادية العالمية.
صناديق الاستثمار المتداولة وتوقعات المستقبل
ساهم عامل آخر في تضخيم الطلب، وهو الشعبية المتزايدة لصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) المدعومة بالذهب. لقد أتاحت هذه الأدوات المالية للمستثمرين الأفراد سهولة الوصول إلى سوق الذهب، حيث أصبح شراء حصة في صندوق مدعوم بالذهب بسيطاً كشراء سهم في شركة. ومع استمرار العوامل التي أدت إلى هذا الارتفاع في عام 2025، يتوقع الخبراء أن يظل الطلب قوياً في عام 2026. وقد بدأت السنة الجديدة بالفعل بأداء مذهل، حيث سجل سعر أونصة الذهب مستوى قياسياً جديداً متجاوزاً 5300 دولار، مما يؤكد أن المعدن الثمين سيظل في قلب استراتيجيات التحوط المالي العالمية في المستقبل المنظور.


